عندما انطلق أولمبياد المدرسين في نسخته التجريبية عام 2014، استهجن بعضهم الفكرة وبخاصة المدرسين والموجهين الاختصاصيين، فكيف لشخص أنهى تعليمه الجامعي وتم تعيينه مدرساً اختصاصياً في إحدى المواد العلمية كالرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء أو علم الأحياء أو المعلوماتية، أن يعود لقاعات ومقاعد الامتحانات مرة أخرى وانتظار صدور النتائج بفارغ الصبر حاله في ذلك حال الطلاب.
تدريجياً بدأت تلك الهالة بالانزياح، فوصل عدد المشاركين هذا العام إلى نحو 850 مدرساً ومدرسة، ولكن أمام الأعداد الهائلة للمدرسين في محافظات القطر كلها، لا بد من التساؤل: هل هذا العدد كاف، وإذا كان الجواب «لا»، فما الآليات من وجهة نظر اللجان العلمية للأولمبياد لتطويره وتشجيعه، ما أهداف وأهمية هذه التجربة وكيف ارتسمت ملامحها في عيون القائمين عليها، وعيون المدرسين المشاركين الذين التقيناهم خلال الاختبارات العلمية الأولى والنهائية، التي جرت على مدرجات كلية الحقوق في جامعة دمشق، وهم كانوا محطتنا الأولى.

لكل مجتهد نصيب
تحت عنوان «لكل مجتهد نصيب» اجتمع المدرسون المشاركون في الأولمبياد حيث أكد أسامة أبو بكر مدرس مادة الفيزياء من السويداء، أنه شارك من أجل تطوير قدراته ومهاراته مشيراً إلى أن الأسئلة كانت متنوعة وشاملة، وإن الأولمبياد تجربة جيدة تساعد على اكتساب الخبرات وزيادة المعلومات، والمدرس القدير لا يحتاج للتحضير كما يبرر بعض المدرسين سبب تغيبهم عن المشاركة، فالقوانين واحدة، المهم طريقة القراءة الصحيحة للمسائل، واستحضار بعض المعلومات التي تساعد على إيجاد الحل الصحيح.
أما أحمد نجم موجه اختصاصي لمادتي الفيزياء والكيمياء في محافظة ريف دمشق فقال: كان لدينا إصرار على المشاركة في المنافسات لنكون قدوة للمدرسين والأساتذة ونعطيهم بذلك دفعاً قوياً، مبيناً أن الأسئلة تحتاج إلى تفكير ونمطها مختلف عما تعودنا عليه فهو يعتمد على الذكاء والمعلومة الصحيحة واستخدام مهارات التفكير.
بدوره عمار عرقسوسي مدرس مادة المعلوماتية نوه بأن الأولمبياد منافسة علمية مهمة، يسعى المدرسون من خلالها لتقديم أهم الأفكار

والمقترحات التي يمكن أن يستفيد منها المجتمع، مبيناً أن المعلوماتية هي عصب التطور والتقدم وأي أفكار برمجية بناءة جديدة فيها يمكن أن يستفيد منها بلدنا ولا سيما في ظل هذه الظروف الراهنة.
من جهتها مدرسة الرياضيات بثينة غانم أوضحت أن المسابقة تحفز المدرسين على زيادة معارفهم من خلال البحث النظري والبحث عبر الإنترنت لإيصال المعلومة المتميزة للطلاب ولا سيما المتميزين منهم، فيما رأت ناهد أبو عساف مدرسة الكيمياء أن في التجربة جو من المنافسة يعد فرصة للمدرسين لتجديد معلوماتهم والدراسة والبحث من جديد.

تعزيز لمهارات التفكير
هو فرصة للمدرس لتعزيز مهارات التفكير الإبداعي لديه، ليصبح قادراً على تنشئة جيل يتسم بروح التميز والإبداع، ولهذا فقد تضافرت جهود وزارة التربية مع جهود هيئة التميز والإبداع في تطوير المنظومة التعليمية في سورية، لتصبح مخرجات وزارة التربية التي هي بدورها مدخلات لوزارة التعليم العالي ذات جودة عالية، وذلك حسبما أوضح رئيس اللجنة العلمية المركزية للرياضيات الدكتور عبد اللطيف هنانو، فالعمل على المناهج لا يكفي للتطوير، بل يجب أن يرافقه تطوير أداء الكادر التدريسي، وهنا يأتي دور الأولمبياد الذي يعد مشاركاً فعالاً في تطوير هذا الأداء.
بدوره الدكتور عبد الوهاب علاف قال: إن الغاية الأساسية من الأولمبياد هي البحث عن المدرسين المتميزين، ليكونوا رديفاً مساعداً للجان العلمية المركزية في تدريس طلاب الأولمبياد العلمي الموجودين في المحافظالت الأخرى، منوهاً بأن النجاح أو عدمه ليس هو المطلوب، فمن يصل إلى هذه المرحلة هو شخص يمتلك القدرة على القراءة الصحيحة والإجابة بطريقة تحليلية معمقة.
رأي وافقهما عليه الدكتور فرقد رمضاني عضو اللجنة العلمية المركزية للكيمياء مضيفاً: ما يهمنا هو توصيل أسلوب جديد في التعليم والتعلم، وتطوير الأسلوب التعليمي والتحليلي لدى المدرس بشكل غير مباشر ليقوم هو بدوره بتحفيز طلبته لاعتماده بديلاً عن أسلوب الحفظ والتلقين الذي لا يزال معتمداً في مدارسنا.
طموحات تشجع على الإقبال
وفي الإجابة عن التساؤل عن ضآلة العدد وكيفية التشجيع على زيادته بيّن الدكتور رمضاني أن منهج الأولمبياد في العمل يعتمد على التجريب الذي يفضي إلى اكتشاف الإيجابيات والسلبيات، فأولمبياد المدرسين الأول ظروفه كانت صعبة، وقد اتّخذ الشكل التجريبي، أما في النسختين الثانية والثالثة فقد بدأ الأساتذة بالتعرف إلى الفائدة المرجوة من طرح هذه الفكرة التي تعود بالنفع عليهم أولاً وعلى طلبتهم والمجتمع ثانياً، ولزيادة التشجيع قمنا هذه السنة وأول مرة بطرح فكرة عمل لقاءات لاحقة للمدرسين لسماع رأيهم واقتراحاتهم للتطوير.
اقتراحاتنا أن تكون السنة القادمة اختيارية وليست بتكليف من الوزارة، ونحن بدورنا سنحاول وضع تصور لمنهاج الأولمبياد، وعمل لقاءات علمية مع المدرسين وحلها أمامهم وفي هذا تعزيز للجانب النظري والعملي لديهم.
لابد من تشجيع المدرسين وتكريمهم حتى يشجعوا زملاءهم الآخرين على المشاركة، وعلى انتشار ثقافة الأولمبياد، رؤية كانت للدكتور علاف الذي رأى وجوب حصول كل من يصل من المشاركين إلى الاختبارات  النهائية على مكافأة مالية, وإذا كان من الأوائل علينا إيفاده خارجياً للاطلاع على تجارب الدول الأخرى، وتسهيل مشاركة المتميزين منهم في المسابقات العالمية، مشيراً الى ضرورة عدم إعلان العلامات بسبب ما يحمله الموضوع من تأثير اجتماعي في سمعة المدرس.
أما الدكتور هنانو فمن وجهة نظره أن عدد المشاركين في هذا العام يعد رقماً جيداً إذا ما قارناه بأعداد السنوات السابقة، وأضاف: عندما يتعرف زملاؤنا المدرسون على أهداف الأولمبياد وعلى أهميته سوف تتزايد أعدادهم فحتى الآن لا يزال بعضهم ينظر إلى التجربة على أنها مجرد اختبار ولا يرى القيمة المضافة التي سيحصل عليها من خلال مشاركته.
مؤكداً أن التقييم الذاتي من أهم مرتكزات تحسين الأداء، فيمكن للمدرس استثمار المسابقة لاكتشاف أين هو وفق التميز والإبداع ومدى قدرته على توظيف مخزونه المعرفي في حل المشكلات العلمية، ليختم بالقول: بصورة عامة نعمل على تحليل بيانات كل مسابقة من أجل وضع آليات لتطويرها.

جديد هذا العام
أثناء الاختبارات كان لافتاً زيادة عدد الأساتذة الذين تجاوزت أعمارهم الخمسين عاماً وهو ما وجده الدكتور علاف دليلاً كبيراً على حبهم للتميز والمنافسة مع جيل الشباب من جهة، وعلى زيادة الإقبال والصدى الذي بدأت تظهر ثماره بشكل واضح لهذه التجربة من جهة ثانية.
في حين قال الدكتور رمضاني: إن القدامى أعطونا بعض الأفكار وهذا يعني أن التجربة صارت تأخذ بعداً إيجابياً، مبيناً أن الجديد هذا العام أيضاً هو ارتفاع مستوى العلامات، فالأسئلة في المرحلتين هي أقرب ما تكون إلى واقع الأساتذة في الميدان العملي.

::طباعة::