آخر تحديث: 2020-09-26 02:10:05

حاكورة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

كان يتحدّث بشجن عن ذكريات اللُّجوء، وكم تتشابه تلك الذِّكريات الخارجة من عباءة عام 1948: الليل البارد، ذهول الأمّهات، أرغفة الخبز، بضعة بطانيّات، مفاتيح الدار، لكنه تلبّث قليلاً حين وصل إلى “بنت جبيل” وانتزع نفَساً عميقاً غشّى عينيْه بالدّموع:
– دعيني أروي لك حكاية اللحظة التي أتمّت فيها أمّي طبخ المجدّرة وأصابني فيها دُوار لشدّة شوقي إلى الطّعام، وعيناها تسعيان بين الباب والقِدْر كأن غبار الضّوء سيُحضر أبي، بيده قارورة زيت الزّيتون! قارورة وليس خابية كتلك التي كانت في بيت جدّي..
– بيتنا، قالت لي: خذ هذه القروش، اشْترِ فجلاً من عند السّيّدة على منحدر الدّرب الشّمالي! ذهبت في حرّ الظّهيرة على عجَل لأن عطر العدس والبرغل كان يُسكرني، ولحظةَ قرعتُ الباب خرجت سيّدة المنزل تسألني طلبي ثم ارتقت المنحدرَ المعشِبَ النّازلَ من تحت شبّاكها وجمعَت باقةً خضراء أودعتها تنّورتها المطوية كالجيب، وما لبث أريج النعناع أن مرّ كغيمة، قبل أن تطلب مني انتظارها لتعود بكيس كيلا تتناثر الخضار في طريق العودة! دفعتُ القروش إليها فردّت يدي بلطف دون أن تُبعد باطِنَ راحتها عن ظاهر أصابعي: أنت فلسطيني يا روحي؟ قل لأمّك هذا هديّة من حاكورتي…
كان الشّاعر يروي ذكرياته أمام الميكرفون الصّامت وهَطْلٌ، لا يَني ينزل من سُحِب ذلك العام المشؤوم، في قصائد الشعراء وقصص الأجداد وروايات الأدباء والبطولات العظيمة وحكايات الأسرى، لكنني بقيت أسيرةَ تلك الحاكورة وصاحبتها التي أخذت بيدي وراحت تطوف بي قُرانا وأريافنا!
ففي بقعةٍ صغيرة غير مستوية، يهملها البنّاء لسبب ما، قد يكون انحرافَها عن الجدار المستوي، وقد تكون زائدةً عن سطح المصطبة الأمامية، وقد تكون ذات تربة مغرية، سرعان ما توقظ موهبةَ الزّرع في نفس صاحبها، فيبادر إلى إحيائها كأنّه يستعيد المزارع الواسعة والبساتين الوارفة والحقول التي لا تتوقف عن إنتاج الحياة! لا أسوار للحاكورة ولا انتظام لقامات بناتها الناضرات، وكيف يكون ذلك بين النعناع والبندورة والجرجير والخيار والبقدونس؟ وأتذكر حاكورة جدتي التي كانت أعشابُها البرّيّة تشبّ بين خضارها فلا تستاء من فوضاها وهي تتغزّل بالعروق والثّمار الريّا، كأن ما تأكله منها قد سُقي بماء الكوثر! وكأن أريافنا المكتفية منذ فجر التّاريخ بأثمارها وفاكهتها في الحقول والسّفوح والأهراء وبيوت المؤونة العامرة، أرادت أن تتحلى وتتزيّى وتتزيّن فكانت الحواكير، وهي حاجتُنا الرَّاهنة نستردُّ بها عافيةَ موائدنا، ولو في شرفة، أو على سطح منزل!

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed