آخر تحديث: 2020-09-29 11:27:25

عاش الحياة كبطلٍ في فيلم سينمائي بندر عبد الحميد ورحلة بناء الـ"حلم في الجبل الأخضر"

التصنيفات: ثقافة وفن

“نحن هنا نقرأ ونكتبُ ونرسم؛
نشربُ القهوة في الصباح الباكر
قبل أن تختفي النجوم،
وننتظرُ الربيع القادم.”
حتى تفتح دمشق سبعَة أبوابها ل بندر عبد الحميد (1947- 2020م)؛ كان عليه أن يأخذ دروساً صحراوية طويلة تحت هاجرة أصياف الريف في الحسكة.. دروسٌ ستُشكّلُ للفتى الذي نجح في الثانوية للتو خزاناً من الصبر الذي تمنحه الطبيعة عندما تختبر الناس في بعض حالات قسوتها، ومن ثمّ الثقافة البكر التي يمنحها مُحيطٌ بيئيٌّ يعيش الحياة على مُهلٍ وبأقلِّ ما يُمكن من الزخرفة؛ وهما ما سيشكلان خزاناً من ذلك النوع الذي لا نضوب لزاودته..
فقد شكلت طفولة الشاعر رافداً غنيّاً من روافده الأساسية، ففي شعره كلهُ حبّ الحياة، ومرحٌ جميلٌ، ومن نافذتها يطلُّ على الدنيا، فهي تختصرُ كلّ ما هو عذبٌ وشفافٌ وحالمٌ في وجه البشاعة والظلم والرعب، فترى الشاعرُ دائمَ المواجهة مع العالم من موقع الطفل، فيزرع وردةً وحيدةً حتى ولو على سطح القمر، كما فعل شبيهه، بطل رواية (الأمير الصغير)، ومن هنا تنتصرُ قصائد للبراءة، وتتغنى بالأحلام والأماكن والذكريات، وصور الطفولة المتسللة إلى قلبه على الدوام عندما:
“كان العالمُ قريةً كبيرةً بعيدةً
من نوافذ المدرسة القديمة..”
ينجحُ الفتى بندر عبد الحميد في الثانوية العامة، وهو الممتلئ بحالاتٍ بصرية لا حدود لنهاياتها منحته له الأمداء الواسعة في ريف الحسكة.. تلك الأمداء التي سيكون لها مُعادلها البصري في نتاج الشاعر والناقد على مدى أكثر من مجموعة شعرية، تلك الحالة البصرية التي سيجد مُعادلها الأقرب لروحه وتفكيره في الفن السابع لدرجة كأنه عاش الحياة كأقرب لفيلمٍ سينمائي..
صحيح أنّ بندر عبد الحميد؛ بدأ حياته يكتبُ الشعر، غير أنّ القصيدة كانت بالنسبة له أقرب لخلواتٍ روحية يُرمم من خلاله روحه وقد أصابها بعض عطب الحياة، لذلك قلما قدّم نفسه شاعراً، بقدر شغله في السينما ك”شغيّلٍ” لها من النوع الاستثنائي والفاخر، ومن ثم كناشطٍ ثقافي أمست “شقته” في قلب دمشق أحدى معالم المدينة الثقافية..
“أذبحُ قلبي مُشتاقاً للعشب،
وموسيقا للماء..
أحفرُ بئراً في الصحراء،
وأسمي عينيكِ زهور الليل،
أسمي وجهكِ قوساً وكتاباً وأغني..”
ومناسبة الحديث عن الراحل بندر عبد الحميد؛ هو الكتاب الذي أعدّه بيان الصفدي باسم (بندر عبد الحميد) والصادر مؤخراً عن الهيئة العامة السورية للكتاب..حيث يذكر الصفدي عن بداياته: كان يكتب الشعر، ويُراسل المجلات والجرائد، وقد فاز بالجائزة الثانية في مسابقة أجرتها مجلة “العالم” في بيروت، وبالجائزة الأولى في مسابقة الشعر التي أقامتّها جامعة دمشق كان عنوانها (حلم في الجبل الأخضر).. وسرعان ما صدرت له مجموعته الشعرية الأولى “كالغزالة كصوت الماء والريح” سنة 1975م، ومن ثمّ يكاد بتفرغ لعمله الذي قضى فيه كلّ سنين عمره (مُحرراً ثقافياً) في عشرات الصحف والمجلات قبل أن يستقر في مجلة الحياة السينمائية التي تصدرها وزارة الثقافة.. حيثُ كانت له جهود كبيرة في قيامة مشروع “الفن السابع” الذي انطلق سنة 1992م، واختار له مجموعة من أهم الكتب التي تخص الفن السينمائي، وقد صدر من هذه السلسلة ما يُشكل مكتبة سينمائية تربو على المئتين والسبعين كتاباً حتى الآن، وكان بندر قد أرسل بعد دراسته الجامعية إلى هنغاريا سنة 1979م لدراسة الصحافة، وهناك وجد إنّ السينما كانت همّه الثقافي الأكبر، وهو الأمر بتقدير النقاد الذي جعله يُخفف من كتابة الشعر.. حيث أصدر في هذا المجال أكثر من كتاب شكلت مراجع في الفن السينمائي منها كتاب: (السينما الساحرة)، وفيه دراسات في شؤون السينما المُعاصرة مثل السينما المصرية والهندية والإعلان السينمائي، والحب والقتل في أفلام الغرب، والمكارثية والسينما وهوليود، كما تضمن الكتاب لقاءت مع بعض صُناع السينما.. ولبندر عبد الحميد كتابين آخرين هما: (سينمائيون بلا حدود، و ساحرات السينما).. الكتاب الأول الصادر سنة 2001م، وفيه مقالات عن أعلام المخرجين في العالم، مثل هيتشكوك، فليني، أنطونيوني، بيرغمان، وفايدا، إضافة إلى دراسة عن الموجة الفرنسية الجديدة في السينما.. وأما كتاب (ساحرات السينما) فيتحدث فيه عن مئة وخمسٍ وأربعين نجمةٍ سينمائية من أشهرنّ: غريتا غاربو، مارلين مونرو، أنغريد بيرغمان، رومي شنايدر، صوفيا لورين، فروغ فرخرّاد، أنجلينا جولي، جينا لولو بريجديا، وكلوديا كاردينالي..
“إننا نقطفُ الكلمات من حياتنا اليومية،
كما تلتقطُ الطيورُ الحبوبَ المُتناثرة
في أطواق البساتين..
نزرعُ الكلمات عند شفاه البحر،
ونُعني لها حتى تصيرُ أشجاراً
الكلمات التي نقفُ في ظلالها الطويلة..”

يُصنف الكتاب بندر عبد الحميد إنه من جيل السبعينات في الشعر السوري، وهم الذين ظهروا وقدموا نتاجهم الشعري بعد سنة 1970م، ومن مميزات هذا الجيل؛ إنه اختار البساطة في التعبير، وتحرر من الأشكال الشعرية القديمة، كما ظهرت لدى بعض شعراء هذا الجيل نغمة الاحتجاج على الواقع المؤلم، والحلم بعالمٍ أكثر عدالة وسلاماً.. وفي مجموعته الشعرية الأخيرة (حوار من طرفٍ واحد) يبعثُ بندر عبد الحميد رسالته الخيرة إلينا؛ إنها حقيبة سفرٍ وترحال، واكتشافاتٍ دافئة، ومليئة بالدهشة والعجائب.. طائرة ورقية ملونة، تُحلّق فوق هذا العالم، تغرفُ الثلج الأبيض بنشوةٍ، ولا تحملُ بين جناحيها سوى تلك القبلة الطويلة التي يرسلها الشاعرُ إلى البشر:
“دائماً هناك حقيبةٌ
شبهُ فارغة
في سفرٍ غامض؛
قميصٌ وأقلامٌ ملونة،
رسائلُ حبّ وأوراقُ بيضاء
أدوات حلاقةٍ
وجوازُ سفرٍ
يصدرُ بصعوبة بالغةٍ دائماً،
وعلى ارتفاعاتٍ عالية
فوق ممراتٍ النسور؛
يُمكنُ أن يحدث حبٌّ
من نظرةٍ خاطفة..”
أمّا أجمل القصائد التي يراها مُعد الكتاب لبندر عبد الحميد، تلك القصيدة التي أطلق عليها (سيّد درويش) حيث استخدم الشاعر هذا الرمز العربي الإبداعي بقصد تمجيد روح الفنان الذي يُمثّل شعبه ووطنه، واختار الفن ليكون صوت الفقراء والمظلومين والحالمين، في قصيدة (سيّد درويش) يضعنا الشاعرُ أمام الموسيقا التي تخوضُ معارك كبرى في حياة الوطن والشعب.. وتتعانق فيها روعة الفن بدوره المباشر في الكفاح الوطني.. ومما كتبه في هذه القصيدة:
“حينما قفز الشيخ “سيّد”
من فراشه آخر الليل؛
فتح النافذة،
واكتشف نشيداً لمصر ثم نام..
وفي أوّل الربيع
استيقظ الشيخ “سيّد” مُبكراً
ليسمع أصوات العمال والطيور،
فاكتشف الجوع
ولم ينم..”

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed