آخر تحديث: 2020-08-04 19:54:02
شريط الأخبار

عن الحياد في العلم والسياسة.. وأخطاء «بارالاكس»

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

لا غنى عن الحسّ المشترك، فمداخل المعرفة وأدوات الحس لا تشتغل بمفردها وإلاّ كان التخاطل سيد الموقف. وكما في هذا النوع من القياس المُحاط بمحاذير «بارالاكس» في رؤية الفلك في دوامة الحركة فالأمر أخطر في مجال الرؤية في فلك الأفكار والنظريات وحقائق الذّهن ونظام العقل ومعادلة الصراع.

(التخاطل أو التزيّح: وسيلة لقياس أبعاد الأجرام السماوية).. ( بارالاكس هو الاسم المستعار للكاتب والمبتكر البريطاني صامويل بي روبوثام عندما نشر كتيباً في عام 1864 بعنوان: علم الفلك البحثي التحليلي.. الأرض ليست كروية).

وكم كنت أرى في تساؤل الغزالي في «المنقذ من الضلال» في نشوته الديكارتية -إن شئنا القول- بأثر رجعي لمّا أشار إلى مفارقة الجرم الذي قد نراه بالعين المجردة «بمقدار الدينار» بينما هو في الحقيقة «أكبر من ذلك في المقدار» ذلك لأنّ الحواس وحدها لا تعمل منفردة ولا تحرز الدقة إلا جمعاً وبإمضاء الحس المشترك. وفي حدود العقل الأداتي نستطيع تحويل لا دقة الحواس إلى إنشاء وقائع افتراضية كما هو التصميم البصري الذي يستند إلى هذه اللادقة والخداع والتخاطل لإنجاز وضع فنّي موحي ومغري، ومثله في التشكيل.. وهلمّ جرّاً.

وتبدو الحكاية نفسها حين يتعلق الأمر بالطريقة التي نستقبل بها حقائق الطبيعة وحقائق المعقول، وفيها تعمل ملكات بمفردها ويكون منسوب التخاطل العقلي لا يقل عن التخاطل في الرؤية والتموقع في “الزمكان”. وهنا نعود لفلك الأفكار والنظام العقلي للعالم -الذي يأتي على مقاس هذا المزاج المُعطى والمُتقلب في إشراقه وكدورته- لنتحدث عن مفهوم الحياد العلمي والموضوعية بينما مداخل الحس والمعرفة كلها أدوات تقع تحت طائلة هذه الأمزجة وشروط التموضع في الزمان والمكان. وعادة ما نستبعد هذه الشروط في إراءاتنا ونمنح للمزاج سلطة التفاعل مع تموضعاتنا التي لا تأبه بالتخاطل، وكأنّه ليس للفكر شروطه “الزمكانية”.

دعونا ننحدر إلى السياسات وهي باتت عندي مرتعاً لكل هذا التخاطل في الرؤية، لأنّ السياسة هي من يحرس الانسداد بواسطة “جنود” المُغالطة، ولأن ما يجري هنا يجري هناك، ومع ذلك يوجد من يتحدّث عن الحياد السياسي، الحياد الذي لم يعد له سند حتى في الفيزياء والكيمياء بل والرياضيات. وإن كنا كما أسلفنا رُمنا على طريقة كورت غودل (فيلسوف نمساوي) القول بمبرهنة اللا اكتمال في الرياضيات فإن الأمر أجدى في السياسة التي ولغت في المغالطة حتى باتت مجالاً للتخاطل المزمن. ودعوني أتقدم أكثر لأقول بأنّ المشكلة ليست في التخاطل بل في بناء أقْيسة على نتائجه مهما بدت محكمة إلاّ أنها تظل خاطئة. الوعي بالتخاطل قد يمكننا من استغلاله في أبعاد جمالية وحلول سياسية خلاقة، لكننا لا نحسن الواقعية الشرط الأساسي لدخول دورة الألعاب، وهذا سرّ الإبداع في مجال التقنية لأنه يأخذ ظاهرة التخاطل بعين الاعتبار ويستعملها في إنشاء واقع مختلف.

سأركز على فكرة الحياد في مجال السياسات، بينما كل كائن هو جزء فاعل في نظام الأشياء، لا شيء يشذّ ولا شيء يملك الحياد إلاّ على نحو التخاطل السياسي. يصبح الحياد دجلاً لكن استثمار التخاطل في مخارج سياسية سيكون هو الحلّ الموضوعي والواقعي، لأن الحياد ليس من الواقعية في شيء بل الواقعية تقضي الاعتراف بحقيقة التخاطل ثم العمل على استعماله في مخارج واقعية.

ماذا يعني الحياد بالنسبة لجسم مقاوم؟

يعني احتراق الجهاز، ويعني الانهيار من دون تكلفة ويعني الخضوع للمخطط اللّعبي الذي تلعب فيه الحرب النفسية دوراً كبيراً. وكل هذا بديهي في منطق الصراع، لكن السؤال يظل مفتوحاً: من أي ثقافة ينحدر هذا الشعور الخادع بالحياد؟

إنه ثقافة، عالم يحتوي على أكثر من مستوى للإطاحة بالحقيقة، وأخطرها وأدومها الحياد الذي يعتبر العبارة الأكثر حذاقة للتعبير عن الخذلان. هو ثقافة تنتشر في كل الاتجاهات، تقدحها المصالح، فانظر وتأمّل إن كنت ممن يَجنح للحياد في موارد الصراع. الحياد ثقافة لا تقتصر على جهة دون أخرى، هو سياسة تمارس ليل نهار، وهي تأخذ أحياناً طابع الحكمة وأخرى الاعتدال وأحياناً السياسة وتارة الواقعية، لا حدود للترادف هنا، ولكن الحياد هو وسيلة الجميع وكل بحسبه.

تتدابر المصالح وتتقاطع الشؤون وكل من زاويته ينظر بتخاطل إلى المصلحة ولا يأبه بالغير في مسار هذه اللعبة. شيء واحد يملك الحق في مساءلة الحياد: المبدئية، لكن المبدئية هي الأخرى باتت مجالاً للتخاطل، والنظرة إليها محكومة بآفة بارالاكس. والتاريخ يؤكد على تكرار مشهدية الخذلان، خذلان ظاهر وخذلان باطن، لِمَ العويل إن كان الحياد يرقى عند البعض إلى درجة الحكمة؟.. فلنفتش في أساليبنا وسنقف على مصاديق مختلفة للحياد.

تخاطلنا لا حدود له، ومهما حسبنا الزوايا والشعاع فلم نستطيع قياس الفروق، إنه تخاطل أنسنا به على امتداد الزمان والمكان. والتاريخ الذي نراه يتدفق هو وليد مسار طويل من الفعل والتفاعل، التاريخ لا يبدأ من حيث مربط حمار جحا، فما نراه من أحداث هو نتاج تفاعل وتخاطل قديم. في زمن الطوفان يكون المجدي البحث عن سفن النجاة، ولكن سفننا احترقت، وقصم ظهرنا نظام السّخرة والتموضع المزدوج في معادلة الصراع. كلنا نستنكر الحياد ولكل منا منه نصيب حسب الزوايا التي نأنس بها في موارد التموضع. وفي سياق هذا التنسيب المفتعل الذي تخفيه اللغة يقوم نظام مختلف للحقيقة والحدث.

نخرج من السياسة ونُسائل العقل: إلى أي حدّ ستستمر هذه الملهاة العقلية، هذه النوبات التي تجعل شؤوننا الإنسانية تتنسنس بمقولات التأنسن.. كيف نرى ما نرى متى شئنا «بمقدار الدينار» بينما نراه مرة أخرى متى شئنا “أكبر من ذلك في المقدار”؟

التشارك في الآلام تشارك في الأنسنة، لكن حين تصبح الأنسنة وصلاً تجارياً لعوباً سمجاً نسناسياً فإنّ الحياد يغدو وجهة نظر. نحن في كل رؤانا واستبصارنا للأشياء ندخل كطرف بذواتنا المتعددة المنازع والميول والأمزجة، نحن طرف في نظم العالم وشؤونه، حين يكون وضعنا هو هذا ثم نتحدث عن الحياد فهذا يعني أنّنا نختار تموضعنا، كمفارقة «كذاب كريت» تماماً. في قمة الحياد نحن لسنا محايدين، وهذا يحصل في مواقع القريب والبعيد يتموضع ويُخذل بدعوى الحياد: الخذلان الناعم. نحن في نهاية المطاف وداخل هذه الحركة المستدامة لسنا محايدين، ومن ها هنا يجب أن تبدأ المقاربة.

كاتب من المغرب ِ

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed