آخر تحديث: 2020-08-04 20:52:39
شريط الأخبار

بين “الدولة الواحدة.. والدولتين”

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

أثار تصريح رئيس الوزراء الأردني لصحيفة «الغارديان» حول استعداد الأردن للتعامل بإيجابية مع فكرة حل “الدولة الواحدة”، إذا ضمنت (حقوقاً متساوية لمواطنيها الفلسطينيين والإسرائيليين) موجة من التعليقات والتكهنات حول هدف هذه التصريحات وتوقيتها.

تعود فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين إلى برنامج اقترحه الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1944. كانت الحرب العالمية الثانية على وشك الانتهاء، وبدأت بوادر عودة المواجهات إلى فلسطين، فجاءت فكرة “الدولة الواحدة” تجنباً للعودة إلى دائرة العنف التي يمكن أن تقود إلى التقسيم. لكن تلك الفكرة أجهضت بقرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.

عادت الفكرة إلى الظهور بعد حرب 1967 تحت شعار تحرير فلسطين أولاً ثم إقامة دولة واحدة لكل مواطنيها، عرباً ويهود. لكن منظمة التحرير الفلسطينية قامت بتدوير الزوايا المتعلقة بهذه الفكرة، لتخرج في العام 1974 ببرنامج النقاط العشر «البرنامج المرحلي» الذي نص صراحة على إقامة سلطة وطنية على أي جزء يتحرر من فلسطين، والنضال من أجل إقامة دولة علمانية ثنائية القومية في فلسطين. كان هذا السقوط المتمثل بالاعتراف باليهودية على أنها “قومية” بداية الانهيار الفلسطيني الذي قدّم أسوأ ترجمة للبرنامج المرحلي بانخراطه فيما سميّ بالعملية السلمية وتوقيعه على اتفاق أوسلو.

بنت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية موافقتها على اتفاقية أوسلو على وهمين كبيرين؛ الوهم الأول تمثل بفكرة المصالحة التاريخية القائمة على التنازل عن 78% من أرض فلسطين التي احتلت عام 1948، أما الوهم الثاني فكان الاعتقاد بإمكانية إقامة دولة أو سلطة وطنية فلسطينية حقيقية بجوار “إسرائيل”، وعلى 22% المتبقية من الأرض. لم يكتف هذان الوهمان بإسقاط الميثاق الوطني الفلسطيني، ونزع القضية من عمقها العربي وتحويلها إلى قضية قطرية تتناول الحدود والصلاحيات، بل أسقطا حتى القرار 181 الذي أعطى مشروعية دولية لقيام الدولة الفلسطينية، واستبدلاه بالقرارين 242، 338 وهما قراران إجرائيان يتعلقان بالحرب بين الدول العربية و”إسرائيل”، ولا يمسّان جوهر القضية الفلسطينية من قريب أو بعيد.

اعتمدت أطراف الموجة الثانية من السلام (أوسلو– وادي عربة) سياسة الغموض لتسويق اتفاقيات السلام على أنها “انتصار واستعادة للحقوق المهدورة”، ولعبت “إسرائيل” على الوتر نفسه لتسويق هذه الاتفاقيات داخل كيانها. قدّم كل طرف تفسيره الخاص لما جرى، فاستمرت “إسرائيل” ببناء المستوطنات وشق الطرق الالتفافية، واستمرت منظمة التحرير بلعب دور الدولة وانخرط جزء كبير من القوى الفلسطينية في اللعبة، حتى وصل الأمر إلى انقسام الفلسطينيين إلى سلطتين، بمشروعين للسلام، وتنافس على مكاسب الدولة الموعودة.

عندما أدرك ياسر عرفات الفخ الذي وقع فيه، وحاول تغيير شروط اللعبة من خلال الانتفاضة الثانية، كان الواقع على الأرض قد تجاوز كل إمكانيات التعديل. فالاستيطان ومصادرة الأراضي قضت على أوهام السيادة والاستقلال، والدعم المأمول من “دول الاعتدال العربي” التي راهن عليها تبخر مع موجات التطبيع.

انتهى عرفات محاصراً، ليقتل مسموماً أو محزوناً، بعد أن خسر أوراق الحرب والسلام. لم يكن من الممكن أن يخلف عرفات أحد غير محمود عباس الذي استمر في المفاوضات على طريقة مسرح الدمى، حيث يتحكم صاحب المسرح بكل حركات ومسار المسرحية، لكن دون الخروج عن الحبكة الرئيسية. استيقظ الجميع على وقع الاعتراف الأمريكي بالقدس “عاصمة لإسرائيل”، ولاحقا مشروع ضم الجزء الفلسطيني من الغور، ليكتشفوا أن نصيب الدولة المستقلة لن يتجاوز مجموعة من الجزر السكانية المقطعة الأوصال، بمساحة لا تتجاوز 7% من مساحة فلسطين التاريخية.

على هامش الأحداث عادت فكرة الدولة الواحدة للظهور، والتقى أكاديميون فلسطينيون وإسرائيليون في محاولة لتحويلها إلى خيار جديد يكون بديلاً “لحل الدولتين” الذي أصبح مستحيلاً على أرض الواقع.

لم يكن لدى الأردن مانع من لعب دور مهم في حل المشكلة، من خلال “وحدة مع كيان فلسطيني ما”، تعود من خلاله إلى أوضاع تشبه ما كانت عليه الأمور قبل حرب 1967. لكن سياسة «الليكود» التي ترى في الأردن “وطناً بديلاً” للفلسطينيين، أحدثت مجموعة من التغييرات على الأرض حولت المشروع الأردني إلى كابوس، إذ أصبح الدور الأردني مقتصراً على تحمل عبء كتلة سكانية ذات اقتصاد متدهور، ليضيفها إلى أعبائه الاقتصادية والسياسية. من هنا جاء الموقف الأردني الذي بدا لكثيرين «حازماً» فيما يتعلق بضم غور الأردن، وتصميمه على “حل الدولتين”. لكن هذا الموقف لم يذهب بعيداً عن الإعلام، إذ كان بإمكان الأردن اتخاذ إجراءات جذرية مثل تعديل قانون الجنسية ومنع تجنيس الفلسطينيين، ووضع قيود على سياسة الجسور المفتوحة مع فلسطين. تحول الضغط بالاتجاه المعاكس وأصبح الأردن تحت ضغط موعد الإعلان عن موعد الضم.

من هنا جاء طرح الرزاز لموضوع الدولة الديمقراطية الواحدة، وهو يعرف حق المعرفة أنه غير قابل للتطبيق بسبب نزوع “إسرائيل” نحو مفهوم “يهودية الدولة”، ورفضها للبعد الديموغرافي الذي يمكن أن يحول العرب الفلسطينيين من أقلية إلى أغلبية. لكن الأردن بهذا الموقف يعيد الكرة إلى الملعب الفلسطيني– الإسرائيلي ويخرج هو بأقل الخسائر السياسية.

رغم كل محاولات البحث عن حلول، يبقى الحل الوحيد للقضية الفلسطينية واضحاً وجلياً، مهما حاول الجميع تجنبه أو الالتفاف عليه: ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. قد لا نكون قادرين على إعلان الحرب، لكن نعلم جيداً أننا قادرون على المقاومة وهزيمة مشاريع العدو، هذا ما فعلنا في لبنان 2006، وما نفعله في سورية منذ عام 2011، فدعونا لا نتعجل نهاية التاريخ، ولنترك للأجيال القادمة فرصة لحسم الصراع لصالحنا.

كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed