قرابة الست سنوات من الحصار الاقتصادي الظالم على المواطن السوري وأمريكا والغرب يستمران بالمراوغة والكذب تحت شعارات خادعة تخفي خلفها الإرهاب الاقتصادي المتعمد ضد الشعب السوري! وبات التضليل في هذه الادعاءات واضحا حيث ثبت أن هذه العقوبات ليست مبنية على القانون إنما أساسها ممارسة القوة والإرهاب الاقتصادي وذلك أمر يخالف ويتعارض مع المواثيق والقانون الدولي.
قبل العقوبات الظالمة كان لدى سورية اكتفاء ذاتي في المجالات الإنتاجية والخدمية والتعليمية والطبية وتؤمن الدولة كل احتياجات مواطنيها الى أن جاءت الإجراءات الاقتصادية القسرية أحادية الجانب الأمريكية والأوروبية ضد سورية فأدت إلى تراجع قدرة الدولة على توفير هذه الاحتياجات مع تراجع الإنتاج والتعليم وانتشار البطالة وغلاء  السلع إضافة إلى فقدان أدوات العلاج وتجهيزات المشافي والأدوية البيولوجية مثل أدوية السرطان واللقاحات المناعية. ورغم رفض بعض المنظمات الإنسانية هذه العقوبات وتقديمها بعض المساعدات إلا أنها غير كافية لسد احتياجات المواطنين السوريين الإنسانية ما يستدعي حث جميع الهيئات والمنظمات والبرلمانات الدولية وكل الجهات المؤثرة والفاعلة للضغط على حكوماتها لرفع العقوبات الاقتصادية وتسهيل انسياب واستيراد التجهيزات ولاسيما الطبية والأدوية النوعية للأطفال والجرحى والمصابين من جراء الارهاب وليتمكن الشعب السوري من إعادة بناء مؤسساته كلها وخاصة المشافي لتقديم الخدمات الطبية لكل المرضى ومن بينهم الأطفال للحفاظ على صحة الأجيال القادمة وتحقيق أحلامهم.

أدوات التغلب على الأزمة
عضو مجلس الشعب أكرم العجلاني فسر كيف استطعنا التغلب على هذه العقوبات رغم قسوتها لافتاً إلى أنه لاشك في أن العقوبات الاقتصادية تؤثر في دولة نامية مثلنا، لكن من حسن الحظ أن لنا أصدقاء في العالم من حكومات ومؤسسات وأفراد خففوا هذا العناء عنا، وأن الوعي الحكومي والإداري والاجتماعي بالتعامل مع أزمة كهذه خفف كثيراً من تأثير هذه العقوبات وأظن أن ما فرض على سورية من عقوبات لو فرض على دولة أخرى لكانت نتائجها كارثية لكن الوعي الوطني والأخلاقي والاجتماعي والحس بالمسؤولية لدى جميع أفراد الوطن خفف الكثير من هذه الظروف، ولو نظرنا إلى الليرة السورية وما تعرضت له من ضغوط لو حدث الأمر نفسه في دول أخرى لانهارت عملتها عشرات الأضعاف بينما نحن بقيت عملتنا صامدة أمام هذه التحديات.
ويضيف العجلاني: إن المنطق الغربي بأن العقوبات الاقتصادية على الحكومة وليست على الشعب هراء لأن ما يجري على الحكومة يجري على الشعب لكن التلاحم والتضافر ما بين الحكومة والشعب أديا إلى حالة من الصمود أمام هذه العقوبات.
ويرى العجلاني أن الضعف في اقتصادنا لكونه اقتصاداً ذاتياً غير ناتج عن ثروات ضخمة كدول الخليج أو الدول الأوروبية، والخلل فيه ناتج عن سوء التخطيط الإداري للاقتصاد والسلوك الجشع للذين يعملون في مجال التجارة، والاقتصاد الوطني يحتاج حساً كبيراً بالمسؤولية الوطنية لدى العاملين.
ظروف الحرب القاسية
يرى الكثيرون أن موضوع العقوبات قائم من قبل الازمة وتم التأكيد عليه خلال الأزمة، والإرهاب الاقتصادي يتجلى في محاربة سورية من خلال عملتها واقتصادها وهذا أسهل على الدول الأوروبية من الحرب العسكرية كما يوضح عضو مجلس الشعب جمال رابعة، مبيناً أن فرض العقوبات لا يستلزم الا مجموعة قرارات ظالمة.. كما كانت الضغوط كبيرة لأن الحصار على سورية أفقدها وارداتها الخارجية من القطع الناجم عن الزراعة والصناعة والخدمات، إضافة إلى أن الحرب الاقتصادية التي ترافقت مع العدوان على سورية منذ اليوم الأول اعتمدت أدوات متنوعة ومتبدلة مع كل مرحلة من مراحل العدوان انطلاقاً من الشائعات كعدم قدرة الدولة على دفع الرواتب ابتداءً من الثلث الثاني من عام 2011 وصولاً إلى تدمير المعامل وحرق المستودعات وفرض حصار اقتصادي جائر على متطلبات العيش للشعب السوري لم تؤت أكلها مع صمود هذا الشعب وثقته بانتصارات جيشه العقائدي البطل.
هذا الصمود جعل الحلف المعتدي على سورية يغير من أدواته كثيراً في الإرهاب الاقتصادي الذي يمارسه على الشعب السوري، فكان المستهدف بشكل رئيس ودوري قطاعي الكهرباء والمصارف لأن هذين القطاعين يشكلان العصب الذي تقوم عليه الحياة العامة للمواطنين من جهة، ولدورهما الرئيس في استنزاف خزانة القطع الأجنبي للدولة السورية من جهة أخرى، خاصة أن المستهدف الرئيس الآخر هو العملة السورية باعتبارها أحد رموز السيادة وعوامل الصمود للشعب السوري وباعتبارها أيضاً أيقونة الثقة التي يستنبط منها الشارع نبض الانتصار الذي يترقبه.
ميزان الربح والخسارة
ويلفت العجلاني إلى أنه بالنسبة لليرة فإنها تخضع لعدة عوامل العامل الخارجي من خلال الحصار النقدي والحصار الجغرافي بالنسبة للتصدير.. وتخضع للوضع الداخلي من خلال تأثيرات الإرهاب عليها سواء ضرب البنية التحتية أو قطع الطرق بين المدن أو ضرب المنشآت الاقتصادية أو إخافة رؤوس الأموال.. ويضيف أن وجود القيادة الحكيمة والجيش البطل والشعب الصامد والواعي يجعلنا على يقين بدحر الإرهاب والانتصار عليه بكل أشكاله.
ويشير العجلاني إلى أن الهدف كان المراهنة على أن تجويع الشعب سيدفعه الى الاستسلام لكن سياسة الإرهاب والتجويع جعلت الشعب السوري أكثر ثباتاً في محاربة الإرهاب الذي يحرمه من لقمة قوته.
أين الوعود والعهود؟
مع بداية الدور التشريعي الثاني تعهد مجلس الشعب بأنه سيركز على الملف الاقتصادي من خلال اللقاءات مع الحكومة ومناقشة القرارات المتعلقة بقوت المواطن ومعيشته ويكون ذلك من خلال القرارات والقوانين واللجان المعنية والتوجه بالأسئلة تحت القبة إلى المعنيين وسؤالهم عن أسباب اتّخاذ القرارات التي قد تكون ضاغطة على المواطن واذا ما كانت في مصلحة الوطن ويمكن العودة لمداخلات الأعضاء…! لكن مع مرور عدة من الشهور شهدنا جلسات للحكومة تحت القبة ومناقشة للبيان الوزاري والمالي لكن الحوار المنشود والموعود لم تتم تغطيته بالشكل المأمول؟ ولم نشهد تدخلاً من أعضاء المجلس أو من خلال اللجان المعنية في مناقشة ملف الارهاب الاقتصادي على الشعب السوري، أضف الى ذلك لم نبلغ عن رسائل من المجلس الى البرلمانات في العالم ووضعهم بصورة الوضع والحصار والضغط من قبل الدول الداعمة للإرهاب.
الإرهاب الاقتصادي
لقد أدرك المواطن البسيط في سورية أن ما دافع عنه بالدم لن تتخلى عنه حكومته بالاقتصاد وإعادة الإعمار، وأدرك ولو متأخراً أن عملته هي كلمة السر للنصر في الحرب على الإرهاب، فواجب دعم الليرة من أولويات المواجهة ولا يقل أهمية عن حمل السلاح لدعم الجندي المرابط في الجبهات، فما خسره الإرهاب بالدم لن نجعله يكسب مقابله أي شيء بالاقتصاد والدولار وتكاليف المعيشة.
وفيما يتعلق بالإرهاب الاقتصادي والعقوبات فلاشك في أن إرهاب الاقتصاد وإرهاب المفخخات والمجازر والقذائف واحد وأن الإجراءات الأخيرة أثبتت قدرة الدولة على التعامل مع هذا الموضوع ولكن التعامل مع الليرة هو تعامل قصير الأمد.. التعامل الطويل الأمد هو من خلال الاقتصاد الذي تأثر بشكل أو بآخر ولكن في بدايات الأزمة توقفت بعض المشاريع الصغيرة أو المتوسطة أو الكبيرة في حين تابع قسم من السوريين الذين يعملون في مجال الاستثمار على اختلاف مستوياتهم إنجاز مشاريعهم.. وفي المحصلة الحياة يجب أن تستمر في كل الظروف، ولكن جزءاً كبيراً منهم أجّل هذا الشيء.
تحفيز الدورة الاقتصادية
ويرى عضو مجلس الشعب جمال رابعة أن المطلوب منا الآن، لاستمرارية دعم الليرة والوضع الاقتصادي وكلاهما متشابك ومترابط، هو أن يقوم أصحاب الاستثمارات بكل مستوياتها الصغيرة ولو كان محلاً بسيطاً والمتوسطة والكبرى بإنجاز المشاريع، والمطلوب من الحكومة إضافة للإجراءات النقدية هو أن تبحث القوانين والإجراءات التي يمكن أن تسرع دورة الاقتصاد لأن مشكلة الليرة بالدرجة الأولى هي ضعف الاقتصاد فعلينا أن نفكر معاً كسوريين: ما هي الإجراءات الممكنة.. ما هي القوانين الجديدة.. ما هي الأشياء التي تتناسب مع المرحلة التي نمر فيها الآن؟ نحن نمر في مرحلة عمرها الآن نحو ست سنوات.. أي لم تعد مرحلة جديدة كي نبدأ بالتفكير من الصفر أصبحت لدينا خبرة في هذا الموضوع، أعتقد أيضا أن هذا الموضوع من القضايا المهمة جداً التي يجب على مجلس الشعب أن يناقشها مع الحكومة كي نقوم بواجبنا إن كانت هناك تشريعات أو قرارات أو غيرها من الإجراءات التي يجب اتخاذها.
ارتفاع تكاليف المعيشة
إن عوامل التحريض الممنهج على استهداف الليرة السورية وسعر صرفها شكلت عامل جذب للمواطن العادي لشراء الدولار لكونه ملاذاً آمناً يستمد قوته من الهيمنة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية، ولربط سعر الذهب في الأسواق السورية بسعر الدولار غير الرسمي الموجّه من الخارج، دون إدراك من هذا المواطن الذي قدم دماء أولاده في هذه الحرب أنه بسلوكه هذا يساهم في استعار واستمرار الحرب على بلده فترة أطول، وغير مدرك تماماً أنه في سلوكه الفطري المستند على الخوف من الحروب والتمسك بالحياة يساهم في معاناة أسرته تدريجياً عبر تكاليف المعيشة التي تأثرت بدولار السوق السوداء وأنشطة الظل. ومقابل هذه الهجمة توجهت الحكومة لاتخاذ بعض الاجراءات لكنها لم تكن كافية بسبب ردة فعل الناس.. والخطأ الكبير في ذلك أن ما يعتقد البعض أنه يوفره من شراء الدولار يخسره من خلال ارتفاع الأسعار..
وتكشف الدكتورة فاديا ديب عضو مجلس الشعب عن تأثير العقوبات ومواجهة الإرهاب الاقتصادي أن تأثير العقوبات كان بالغاً على القطاع الصحي وأن الإرهاب الاقتصادي حظّر على المشافي السورية استيراد الأجهزة الطبية أو حتى قطع الغيار لإصلاحها ما كبد هذا القطاع خسائر كبيرة وحرم المواطنين والمرضى منها حيث توقف الكثير من الأجهزة الطبية في المشافي بسبب أعطال أو نقص في متطلبات الصيانة بسبب حرماننا من استيرادها.
إرهاب صحي وإرهاب علمي
وأشارت الدكتورة ديب إلى أن هذا الحصار الظالم شمل أيضا الأدوية ما أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل كبير بسبب صعوبة تأمينها وأن التوجه كان نحو الاستيراد من الشرق لكن الجودة اختلفت أيضاً أضف الى ذلك الحصار المفروض على الطلاب السوريين في الخارج حيث منعت العقوبات الدولة من تحويل المال لهم كما أوقفت المنح الدراسية ما شكل إرهاباً اقتصادياً وإرهاباً علمياً..
ومن الاشكال الأخرى للإرهاب الاقتصادي توضح الدكتورة فاديا توقف معاملنا وعدم السماح باستيراد متطلبات المشاريع، حتى فتح حسابات في الخارج بات محظوراً وكذلك استخدام بطاقات الائتمان العالمية كالفيزا كارد تم ايقاف التعامل بها لتضيق الحصار والخناق على المواطن.
دعم المواد الأساسية
ما زال التزام الحكومة باستمرار دعم المواد الأساسية وحوامل الطاقة من أهم القضايا التي يتابعها المواطن بسبب الخلل بين الأجر وضرورات المعيشة، ومن المنتظر من الدور التشريعي الثاني الإيفاء بالتزاماته والمبادرة بإيجاد الحلول لتخفيف العبء عن المواطن حيث إن الدعم الحكومي للسلع الأساسية يأتي في إطار تحسين المستوى المعيشي للمواطنين وخاصة أنه يستهدف كل المواطنين والعاملين في الدولة والقطاع الخاص، كما يستهدف المتقاعدين والجيش العربي السوري والقوات المسلحة وشريحة الشباب من خلال تشميله للعقود السنوية /برنامج تشغيل الشباب/ والشريحة الأهم التي قدمت التضحيات وأغلى ما تملك للدفاع عن الوطن وتطهيره من أعدائه وهم شريحة ذوي الشهداء والجرحى والمصابين بالعجز التام.
وإذا كانت هناك هفوات في مشروع الدعم الاجتماعي فلم يصل في بعض الحالات إلى مستحقيه، فإن الحكومة ملزمة في سياق هذا الحصار والإرهاب بأن تكون كل مخرجات هذا الدعم موظفة وموزعة على المواطنين ما سيسهم في تحسين المستوى المعيشي وتفعيل وتعميق الخدمات الاجتماعية سواء في التعليم أو التربية أو النقل وغيرها.
عقوبات على المواطن
لايكاد يخفى على أحد أن من تأثر بالدرجة الأولى بهذه العقوبات هو المواطن السوري الذي حاربه الكون حتى في لقمة عيشه، ونخلص في هذا الملف إلى أنه كي نتجاوز الأزمة على المواطن الاعتماد على المنتج المحلّي، وعدم السكوت على الخطأ، واعتماد الشراء من المؤسسات الحكومية التي تعد هوامش ربحها قليلة.
وتالياً الحقيقة الأكثر وضوحاً تكمن في أن العقوبات تطبّق على المواطن والحكومة معاً، لذلك على المواطن مساندة الدولة، لتساعده هي الأُخرى على مواجهة الأزمة بكل أشكال المراقبة للاحتكار ورفع الأسعار ومكافحة التهريب والفساد، وتأمين المواد والسلع الضرورية لحياة المواطن ومحاربة المتلاعبين بها والبحث عن أسواق خارجية صديقة يمكن تأمين المستلزمات الأساسية منها للمواطن، وبذلك نخفف من عقوبات الأعداء على تنوعهم ونماذجهم القذرة.
Yousra.masri@yahoo.com

print