آخر تحديث: 2020-08-04 20:16:37
شريط الأخبار

الانتخابات السورية والانتصار على “قانون قيصر”

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

كتبت هذا المقال قبل يوم واحد من الاقتراع لانتخابات مجلس الشعب في سورية . عليّ الاعتراف أولاً أنني لست من أنصار ديمقراطية الصندوق، فمن موقعي الفكري والسياسي آمنت دائماً بالديمقراطية الشعبية باعتبارها التمثيل الحقيقي لأصحاب المصلحة، وأعني الكادحين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من الجماهير.

لكن للأسف، فالسياسة لا تقودها الأمنيات والقناعات، بل الحاجات والإمكانيات، لذلك، ومثل الكثيرين من محبي سورية، وجدت نفسي متابعاً يقظاً للعملية الانتخابية، ولأسماء المرشحين وبياناتهم. لكنني على عكس البعض لا أجد أن هذه الانتخابات دليل كي تثبت سورية أنها دولة ديمقراطية، على عكس ما يروجه أعداؤها عنها. فسورية ليست بحاجة لإثبات أي شيء لأي جهة في هذا العالم.

على مدى حرب مستمرة منذ أكثر تسع سنوات أثبتت سورية كل ما تحتاج إلى إثباته. لم تفعل ذلك في مهرجان خطابي أو انتخابي، بل بدم الشهداء من مدنيين وعسكريين، وبالحرص على مصالح الوطن والمواطنين، سورية التي لم يُحرم موظف فيها من راتبه على مدى سنوات الحرب، والتي تعمل على دعم المواطن بما يحتاجه على قدر الإمكانيات المتاحة. سورية التي تقف مدافعة عن حقوق الأمة، في زمن سقط فيه الجميع تقريباً واستسلموا لرغبات ومخططات الاستعمار والقوى الرأسمالية.

سورية تلك، هي معيار يُقاس عليه، ولا تُقاس بمعايير الآخرين.

الانتخابات اليوم، تعبّر عن حالة وحاجة داخلية سورية. وتكتسب أهمية مضاعفة، لا من كونها تعقد في زمن الحرب فحسب، ولكن في زمن الحصار الاقتصادي الوحشي.

هذه الانتخابات دليل على استمرار الحياة، والتفاعل داخل المجتمع. البعض راضٍ، والبعض الآخر غاضب، وآخرون يُكيلون الاتهامات ويُعلنون “عدم الجدوى”، حتى هذا الحوار بسلبياته وإيجابياته دليل حياة وتفاعل داخل المجتمع.

الانتخابات فرصة يتحدث فيها الناس عن هواجسهم وهمومهم. ليس مطلوباً من ابن الشارع العادي الذي تطحنه الظروف المعيشية الصعبة، التوقف للبحث في أسباب الأزمة. هذا المواطن الذي قد يدرك أسباب الأزمة، غير معني بإيجاد المبررات، لذلك يميل إلى الشكوى التي تصل أحيانا حد الاتهام.

في الحوار العلني، الذي تفرضه طبيعة العملية الانتخابية، يتفاعل المجتمع، وتنتقل أسباب الأزمة التي تختلف حولها الآراء لتصبح عناوين للحملات الانتخابية ومحل أخذ ورد. حتى المبالغات التي تحملها بعض الشعارات والبرامج الانتخابية، تمنح المجتمع الفرصة لتقييم الواقع، ومعرفة الغث من السمين، ورفض الوعود الكاذبة والوهمية.

الخلاصة، أن كل حوار داخل المجتمع هو عمل إيجابي وخير مطلق، على أن يتحقق فيه شرط وحيد، ألا يكون حواراً من أجل الحوار. لا بد من نتائج، فأي حوار من دون نتائج يصبح من قبيل «فض المجالس».

لا شك في أن مجرد إجراء الانتخابات يُعتبر ترسيخاً للحياة القانونية والدستورية في نطاق الدولة، وتمتيناً للمؤسسات والبُنى التي تشكل الهيكل الأساسي لها. لكن يبقى السؤال ماذا بعد؟.. بعبارة أخرى عندما نطلب من المواطن الخروج للاقتراع في يوم الانتخابات، والمشاركة ولو بورقة بيضاء، ما هو الوعد الذي نقدمه له بالمقابل.. كيف ستنعكس هذه الانتخابات على سلسلة الأزمات الحياتية اليومية؟

أعتقد أن المسؤولية المُلقاة على عاتق الحكومة السورية التي ستتشكل بعد الانتخابات، تتجاوز إمكانيات الأفراد مهما امتلكوا من معرفة ورؤية. الخيارات محدودة، والضغوط كبيرة ولن يقدر طرف بمفرده على التصدي لمهمات المرحلة المقبلة. فرصة التغيير التي تقدمها الانتخابات تفتح الباب أمام إشراك الكل الوطني، من أحزاب وهيئات وجمعيات، في عملية الصمود أمام العدوان الاقتصادي. إذا كانت الدولة مطالبة بالعمل على الاستثمار في عملية إعادة الإعمار، وخاصة ما يتعلق بمشاريع البنية التحتية، كالطاقة والنقل والصحة والتعليم وغيرها، فإن هذه المشاريع ذات الطابع الاستراتيجي طويل المدى، يَصعُب لمس آثارها المباشرة على الحياة اليومية. في الوقت الذي تشكل فيه المشاريع المتوسطة والصغيرة مصدر الدخل لأكثر من 75٪ من المواطنين غير العاملين في الوظائف. هذه المشاريع تشكل مجالاً لعمل الأحزاب والهيئات والجمعيات، ضمن مشروع وطني استراتيجي جيد التخطيط والتنفيذ.

سورية اليوم بحاجة لكل وطني حر من أبنائها. سورية بحاجة إلى من يؤمن أن من يصنع النصر هو الإنسان الذي لا يحسب علاقته بالوطن بالأرقام. سورية اليوم بحاجة إلى كل عربي حر، ليس لتشكيل الوفود والتعبير عن الدعم، ولكن للانخراط المباشر في عملية الصمود من خلال تشكيل الهيئات والجمعيات العربية التي تشارك بالعمل على الأرض بالتنسيق مع الدولة السورية، لترد بعضاً من دين سورية علينا.

سيكتب التاريخ بحروف من ذهب قصة صمودنا ونصرنا العسكري على الاستعمار وأدواته، فلنعمل من أجل أن نكتب بالحروف نفسها قصة انتصارنا على «قيصرهم».

كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed