آخر تحديث: 2020-08-03 17:10:33

أي مستقبل نريد.. «كورونا» ما زال فرصة؟

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

هل كان «كورونا» سبباً في تعطيل مخطط حروب قادمة؟

ما تؤكده المؤشرات أنّ كورونا هو من أعلن الحرب على البشرية وفق أجندته وبوسائله الخاصة، وهو كذلك استطاع أن يخرّب الكثير من البرامج التي كانت معدّة أو في طريق الإعداد، لعلها كانت ستكون أكثر كارثية على العالم، وبالتالي من غير المستبعد أنّ كورونا منع العالم من خوض حرب عالمية ثالثة كانت على وشك الحدوث كما تؤكّد كل المؤشّرات.

القبول بنظام عالمي جديد يقتضي حرباً كونية، غير أنّ كورونا قد يساعد على القطيعة مع النظام العالمي القديم والقبول بفكرة التّضامن الدّولي.

لا أحد سيفكّر في الانتقام من كورونا أو فرض قوانين الغالب عليه فهو ما زال يحكم العالم. بعض الحروب التي لا تزال قائمة في زمن كورونا تؤكّد على أنّها ليست حروباً حقيقية، أي أنها ليست استمراراً للسياسة بكيفية أخرى، بل أكدت أنها حروب عبثية، هي بالأحرى استمرار لعصبيات ما قبل السياسة، إنها حروب فاقدة للمعنى، ولكنّ الأفق الذي يعدها به كورونا مسدود.

ليس مستحيلاً أن ينهي كورونا مهمّته ويطلق سراح البشرية من «رعبها» الصحّي، فهو كائن يتقن فنّ الكرّ والفرّ، وسيمنح البشرية راحة بيولوجية ثم يلوذ منزوياً في مكان ما. هذه طبيعته، لكنه سيترك آثاراً كبيرة على السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع، ستنشأ نماذج جديدة في العلوم وسيدمغ الآداب والفنون، وهي آثار ستكلّف البشرية الكثير من الجهد النفسي والثقافي والاقتصادي والسياسي لاحتوائها. فلا شكّ أنّ الدول بما فيها الدول الرأسمالية تجرّب اليوم أن تكون دولاً اجتماعية، وهي في هذه التجربة ترى آثار الاستقرار المجتمعي حينما تسود السياسة الاجتماعية، هناك تراجع في معدلات الجريمة وارتفاع أيضاً في قيم التّضامن والتكافل الاجتماعي، إنّه الاقتصاد السياسي للجائحة وبروز مفهوم اقتصاد تدبير الحاجة وليس اقتصاد الرّفاهية الذي أظهر اليوم هشاشته.

لا نتحدث هنا عن ردّة تاريخية بل عن شكل آخر للحداثة، هو ما سميناه قبل ذلك: العبر- حداثة أو ما بينها، أي القبض على ممكناتها الأخرى وما لم يستنفذ من إمكانياتها في مصالحة تاريخية مع مُستبعداتها، إنّ الجائحة ستساهم في تلقيم الحداثة نفسها وتعزيزها بإمكانيات هائلة من هذا الهامش المتاح الذي سيقوم بدوره التاريخي لترميم وإصلاح المركز، لنتحدث عن حداثة مستحدثة أو حداثة معدّلة لا مُشَاحَّة في الاصطلاح. (لاَ مُشَاحَّةَ – من المصدر شاح- فِي مَا قَدَّمَهُ مِنْ آرَاءٍ: لاَ مُنَاقَشَةَ وَلاَ مُمَاحَكَةَ فِيهِ، إِنَّهَا وَاضِحَةٌ بَيِّنَةٌ).

العالم قبل كورونا كان يتجه نحو المجهول، وكانت الأمم المتحدة قد عبرت في موارد مختلفة عن عجزها عن إدارة السلم العالمي بينما ظهر صندوق النقد الدولي بدوره الأكثر خدمة للرأسمالية. بتعبير آخر كنّا أمام احتمال سقوط وشيك للأمم المتحدة على الطريق نفسه الذي بلغته عصبة الأمم. سندرك لاحقاً تأثير كورونا على سياسة صندوق النقد الدولي الذي أعرب عن موقفه تجاه طلبات قروض تقدمت بها أكثر من 30 دولة، داعياً هذه المرة الدّول- بخلاف سياساته في التقويم الهيكلي- إلى الإنفاق الزائد في مواجهة كورونا.

ما بين التلويح بالحرب النووية والحرب البيولوجية تبحث البشرية عن أمل وأفق للبقاء، لعلّ الجهل العام بمخاطر المستقبل له دخل في تمديد مفعول الأمل عند الشعوب. لا تستطيع البشرية أن تضمن بقاءها إلاّ بأن تضمن قدرتها على الإبادة الكلية لجنسها، إنها مفارقة تربك الأسس المفترضة لمستقبل أفضل. سيغير كورونا برامج المستقبليات نفسها، سنتساءل: أي مستقبل نريد، فكورونا فرصة، لكننا مسؤولون عن خياراتنا: فإما أن نختار سبيل التغيير وإمّا سيفرض كورونا علينا خياراته.

إن قيام النظام العالمي على قطب وحيد تهديد للمصير البشري، لأنّ هذا فضلاً عن أنّه أمر مستحيل فهو يُدخل العالم في هستيريا سباق التّسلح وابتكار أنماط جديدة لها. لا توجد سلطة ثالثة ترسم أفقاً لهذا السباق، حتى القيم والمؤسسات الدولية لم تعد قادرة على التصرف خارج نطاق الهيمنة، حتى القانون الدولي أصبح مبادئ عصيّة على التنفيذ.

كان من الطبيعي أن تتراجع قيم التضامن الدولي وتموت السياسة الدولية وتكشف عن أشكال من التّوحّش تتهدّد النظام الدولي. كان المستقبل يهرب منّا تحت طائلة الأشكال الأعنف للسياسات الدولية. وبما أنّ الهيمنة الأُحادية على العالم مستحيلة فإنّ آثار ذلك أصبحت واضحة، فثمة دول صاعدة تفرض عليها الإمبريالية هدراً لمواردها في سبيل اللّحاق. هذا شكل من المضاربة والمخاطرة والمقامرة أيضاً بمستقبل الأمم.

إنّ مضادات النظام العالمي الجديد كثيرة، ولن تسلّم القيادة لنظام عالمي جديد إلاّ بعد مقاومة طويلة، لكن كورونا يستعجل البشرية للتغيير.. كان لا بدّ من حرق روما قبل سقوط الإمبراطورية، إنها حرائق وجوائح تفسح المجال لميلاد نظام عالمي جديد.

كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed