آخر تحديث: 2020-09-19 21:37:00

خريف “السلطان”

التصنيفات: دولي,سياسة

مثلت “الأردوغانية” منذ بروزها العام 2002 مزيجاً من الإسلامية المستمدة من أدبيات حزب “الرفاه” الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان الذي تتلمذ رجب أردوغان على يديه قبيل أن يفترق عنه العام 1999، مع العثمانية البائدة منذ سقوط وتفكك الإمبراطورية العثمانية في العام 1918، حيث سيشكل ذلك المزيج -المعتد بطيفي الأسلمة والعثمنة- إيديولوجيا تعمد إلى خلق فضاءات خارجية محفزة للتمدد، وهي إذ ارتطمت بالجدار الروسي إبان محاولاتها خلق تلك الفضاءات في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وجدت أن الفرصة قد تكون سانحة في جوار عربي خصوصاً بعد هبوب رياح “الربيع” على هذا الأخير مطلع العام 2011.

ذهبت أنقرة إبان سعيها نحو التمدد في جوارها العربي إلى إيجاد حوامل داخلية للمشروع سابق الذكر، فكان ما يسمى “المجلس الوطني السوري” تشرين الأول 2011، وحركة “النهضة” التونسية التي قويت شوكتها بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، ثم “الإخوان المسلمين” في مصر الذين وصلوا إلى سدة السلطة في القاهرة صيف العام 2012، لكنها وجدت نفسها والحال يبدي تهتكاً شمولياً في أنسجة هذي الحوامل الثلاثة سابقة الذكر، مضطرة للاستناد على “حكومة” فايز السراج في ليبيا كذراع إن استطاع الصمود فإنه قد يصبح منصة للتمدد التركي في الشمال الإفريقي من جديد، حيث من المؤكد أن الاتفاقات التركية المعقودة مع تلك “الحكومة” أواخر العام 2019 تندرج في هذا السياق، بكل ما تمثله من خطر حقيقي يتهدد الأمن القومي المصري بالدرجة الأولى ومعه الجواران التونسي والجزائري بدرجة أقل.

في الغضون جاءت المساهمة الروسية الفاعلة في محاربة الإرهاب في سورية بدءاً من أيلول 2015 كاسرة للحلم التركي الذي تكشفت أبعاده منذ بدء الأزمة في سورية فـ”الصب تفضحه عيونه” كما يقال، وإذ ذهبت أنقرة في بداياته نحو خيار المواجهة مع موسكو الذي بلغ ذروته بإسقاط طائرة السوخوي الروسية تشرين الثاني2015 معتدة بإسناد أمريكي بدا سريعاً أن التعويل عليه لا يعدو أن يكون تقديراً خاطئاً بكل المقاييس، عادت من جديد لتسعى إلى مصالحة مع الأخيرة تلك التي حصلت في آب من العام 2016، وبعدها كانت عمليتا “درع الفرات” و”غصن الزيتون” من قبل قوات الاحتلال التركية في العامين 2016 و 2018 على التوالي ثم “نبع السلام” العام 2019 بضوء أخضر أمريكي مؤكد، وكلها كانت بذريعة نسف “الخطر الكردي الانفصالي”.

يمكن القول هنا إن “النجاحات” النسبية التركية كانت من النوع المؤقت، وهي تحققت بفعل عاملين اثنين: أولهما هو التنافر الروسي- الأمريكي الحاصل في سورية، وثانيهما العامل الداخلي الذي كان يطغى عليه واقع اقتصادي جيد قامت على أساسه “مشروعية” حكم حزب “العدالة والتنمية” المستمر منذ ثمانية عشر عاماً، والمؤكد اليوم أن كلا العاملين لم يعودا كما كانا عليه في السابق، فعلى الرغم من الضجيج الحاصل حول المؤثرات الأمريكية في سورية يبدو أكيداً أن شمس الأمريكان في سورية آيلة للأفول، وفي الداخل التركي يمكن بوضوح تلمس المؤشرات الأولية لتعثر الاقتصاد البادئ منذ أواخر العام 2018، ففي غضون الأشهر القليلة الماضية خرج إلى العلن حزبان جديدان من رحم حزب “العدالة والتنمية”، الأول أطلق عليه اسم حزب “الجيد” برئاسة أحمد داوود أوغلو أواخر العام الماضي، والثاني حزب “الدواء” بزعامة علي باباجان ربيع العام الحالي، وكلاهما أفقدا الحزب الحاكم ثلث ثقله في الشارع التركي، وفي السياق ذاته يمكن لحظ تعالي الأصوات المعارضة التي تريد العودة بالبلاد إلى النظام البرلماني الذي عمد أردوغان إلى تغييره العام 2018، بل إن قيادات في حزب الشعب الجمهوري المعارض كانت قد ذهبت إلى حدود اتهام أردوغان علناً باتباع سياسات سوف تقود إلى تفتيت الجغرافيا التركية عبر عدم قدرتها على الربط بين التوازنات القائمة في الداخل والسياسات المتبعة في الخارج.

ما نريد قوله هنا هو أن تعثر الاقتصاد التركي -الذي يبدو ماضياً نحو المزيد من التعثر- سوف يدفع إلى مزيد من التهتك في النسيج المجتمعي والاقتصادي في البلاد، ولسوف تزيد سياسات أردوغان المتبعة في الخارج من خطورة ذلك التهتك الذي سيكون عندها على موعد مع التفسخ الذي لن يطول انتظاره.

كل المؤشرات اليوم تشي بقرب خريف “السلطان”، الذي سيكون سريعاً وهو لن يحتاج إلى مقدمات، تماماً كما كان الصعود سريعاً ولم يحتج هو الآخر إلى مقدمات أيضاً، وفيه -أي في ذاك الخريف- قد يجد أردوغان نفسه أمام المصير الذي لقيه سلفه عدنان مندريس العام 1961.

طباعة

التصنيفات: دولي,سياسة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed