آخر تحديث: 2020-08-04 20:27:17
شريط الأخبار

«انجُ سعد فقد هلك سُعيد»

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

يقول ماوتسي تونغ: «إن العدو لن يهلك من تلقاء نفسه». على قدر ما تحمل هذه الجملة من بداهة الفكرة، إلا أنها في الوقت ذاته تحمل في طياتها برنامجاً ثورياً متكاملاً.

الخطوة الأولى؛ تعريف العدو. هل يقتصر ذلك على الجندي المسلح الذي يقف على حدود أوطاننا، يستعد للانقضاض عليها، مدمراً أو محتلاً؟ أم إن التعريف يضم الخائن والعميل، والفاسد الذي ينخر الوطن من الداخل؟.. وهل التناغم مع مخططات العدو، بقصد أو من دون قصد، يخضع لقوانين حرية الرأي، أم إنه فعل خياني لما يتركه على الوطن من آثار مدمرة؟

بعد تعريف العدو، تأتي الخطوة الثانية، كيف نهلكه؟

هنا يصبح العدو العسكري، مهما بالغ في التخريب والتدمير، أسهل الأعداء. فهذا العدو يعلن عن نفسه وعن مطامعه، ويشهر سلاحه بوجهنا، ونحن بدورنا مستعدون للدفاع عن وطننا، واثقين من حتمية انتصارنا، لأنه منطق التاريخ. أما الأعداء الآخرون، سواء كانوا في الداخل أو الخارج، فمواجهتهم أصعب بكثير، فهم إما بعيدو المنال يحوكون مؤامراتهم و”عقوباتهم وقوانينهم” من على بعد آلاف الأميال، أو إنهم مندسون بيننا وأصواتهم أعلى الأصوات في المزايدات الوطنية، وأيديهم الأسرع امتداداً إلى خنجر الغدر.

عندما وصل الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو إلى الحكم، كانت الصين قد مرت بالحرب الأولى 1927– 1937، ثم الحرب الصينية- اليابانية 1939– 1946، والحرب الأهلية الثانية 1946– 1950. كان الاقتصاد في حالة انهيار والبلاد على شفا المجاعة، ولم تكد البلاد تستقر قليلاً حتى وجدت نفسها في خضم الحرب الباردة التي فرضتها الإمبريالية العالمية ضد كل ما هو وطني وتحرري.

لكن الصين وضعت دستورها في عام 1952، وعادت لتطلق مشروعها الصناعي الكبير عام 1958، ولتطهر صفوف الحزب من الانتهازيين والمتسلقين من خلال الثورة الثقافية التي أطلقها ماو عام 1966.

رغم الانتقادات الحادة للإجراءات التي اتخذتها الصين ما بين عامي 1949- 1976 وهي انتقادات أتت في معظمها من الغرب وأذرعه الليبرالية التي تحتل أهم المواقع في الصحف ومراكز الأبحاث العالمية، إلا أن أحداً لن يتمكن من إنكار دور البنية التحتية الاقتصادية التي رسختها الثورة الصينية، في تحول الصين إلى عملاق تجاري يُحسب له ألف حساب.

تعيش أمتنا اليوم أحوالاً تشبه أحوال الصين عام 1950، فالحروب والأحداث الداخلية والخارجية تحولت إلى أزمات تعصف باقتصاديات الدول المستهدفة، وتنذر بأوضاع اقتصادية كارثية.

بل نستطيع القول إن الوضع اليوم أسوأ، فحتى الثورة سرقها الغرب الليبرالي، وأصبحت ترمز إلى الخراب وخسارة الأوطان وبيع مقدراتها.

وعلى جانب الحلول، نجد الخبراء ببدلاتهم الأنيقة وياقاتهم البيضاء يطرحون حلولاً تراوح، في المستنقع الرأسمالي، ما بين تشكيل مجموعات الدول المانحة، وتشجيع المستثمرين القادمين من الخارج، حتى الاستعانة بوصفات الصندوق والبنك الدوليين.

أما «الثوريون السابقون» فيمتطون حصان طروادة، ويطرحون شعارات رنانة تتحدث عن العدالة والتنمية، والحرية. وما إن نغفو على رنين خطبهم، ونطمئن إلى صدق نياتهم، حتى يُفتح جوف الحصان، وتخرج الرأسمالية بمشاريعها الخدمية من سياحة، إلى سياحة علاجية، والتعليم الخاص, حتى مشاريع البنية التحتية التي تُمنح للشركات الغربية العملاقة على نظام B.O.T””. وتغيب المشاريع الإنتاجية الحقيقية من زراعية وصناعية، وتبقى حاضرة في أجهزة الإعلام على طريقة «المهرجانات”.

وسط هذه الحرب، برزت محاولتان مهمتان لكسر النمط الرأسمالي السائد؛ الأولى كانت من سورية عبر سلسلة الإجراءات التي قامت الدولة باتخاذها لتعزيز دور القطاع العام، ومحاولة تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطن. والثانية كانت مبادرة سماحة السيد حسن نصر الله التي دعا فيها إلى ترسيخ نمط المقاومة الاقتصادية، كرديف للمقاومة العسكرية.

كان رد فعل النخب منحازاً تماماً للخيار الليبرالي، وعلت الأصوات تنتقد وتفند حتى وصل الأمر بالبعض إلى الدفاع عن تصريف العملات الأجنبية في السوق السوداء، واعتبار العودة إلى المجتمع الزراعي دعوة للعودة إلى التخلف.

غابت عن أدبيات هؤلاء تسع سنوات من الحرب، و”قانون قيصر”، و”العقوبات” الظالمة، وغرفوا تراباً من ماعون الرأسمالية وهالوه على رؤوس أوطانهم.

العدو اليوم واضح، كما كان دائماً، وهو لن يهلك بالخطابات والانتقادات ولا من تلقاء نفسه. يهلك العدو بالعمل المخطط والمدروس، الذي يشارك فيه الجميع، فالدولة وإن كانت تتحمل المسؤولية الكبرى، ليست الوحيدة في تحمل المسؤولية. كل فرد وجماعة وحزب يحمل جزءاً من المسؤولية، وعليه أن يبذل ما يقدر عليه ليكون على قدر هذه المسؤولية.. فإما أن نقاوم ونُهلِكَ الاستعمار لنصبح “سعد” الذي نجا، أو نتخاذل لنكون سُعيد” الذي هلك.

كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed