آخر تحديث: 2020-08-04 20:27:17
شريط الأخبار

هل تسقط منظمة الصحة العالمية؟

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

فجرت أزمة كورونا ملفاً من أخطر الملفات على المستوى العالمي, وهو ملف المنظمات الدولية, ودور القوى الاستعمارية الكبرى في إدارة معظم هذه المنظمات وتسخيرها لتحقيق مصالحها, وفرض هيمنتها عليها, وكثيراً ما بُح صوتنا لتأكيد عدم موضوعية معظم هذه المنظمات, وأنها دائماً ما تكيل بمكيالين وفي بعض الأحيان بعدة مكاييل, وأن الدول ذات النفوذ العالمي وصاحبة المساهمة الأكبر في ميزانيتها, دائماً ما تكون هي صاحبة القرار, ومن ضمن هذه المنظمات المهيمن عليها منظمة الصحة العالمية, التي تتصاعد بداخلها الخلافات مع استمرار فصول أزمة كورونا.

وتعد منظمة الصحة العالمية الأبرز حالياً على مستوى المنظمات الدولية في ظل التهديد الذي تتعرض له البشرية جراء جائحة كورونا, وقد أنشئت في 7 نيسان 1948 وهو اليوم الذي يتم الاحتفال فيه بيوم الصحة العالمي, ومقرها الحالي في جنيف بسويسرا, ويديرها الإثيوبي تيدروس أدهانوم, وتعد هذه المنظمة السلطة التوجيهية والتنسيقية ضمن منظومة الأمم المتحدة فيما يخص المجال الصحي, وهي مسؤولة عن تأدية دور قيادي في معالجة المسائل الصحية العالمية, وتصميم برامج البحوث الصحية ووضع القواعد والمعايير وتوضيح الخيارات السياسية المسندة بالبيانات وتوفير الدعم التقني إلى البلدان ورصد الاتجاهات الصحية وتقييمها.

يقول دستور منظمة الصحة العالمية:” إن الغرض منها هو توفير أفضل ما يمكن من الحالة الصحية لجميع الشعوب, إضافة لتنسيق الجهود العالمية لمراقبة نشوء أمراض العدوى”, وترعى المنظمة برامج للوقاية والعلاج من هذه الأمراض وتطوير وتوزيع لقاحات آمنة وفعّالة، وقد تمكنت في عام 1980 من القضاء على مرض الجدري, وهو أول مرض يتم استئصاله بمجهود بشري, ووفقاً لجهود المنظمة باتت الصحة في القرن الحادي والعشرين مسؤولية مشتركة تنطوي على ضمان المساواة في الحصول على خدمات الرعاية الأساسية, وعلى الوقوف بشكل جماعي لمواجهة الأخطار عبر الوطنية.

ومع انفجار جائحة كورونا بدأت معركة تلاسن بين الصين والولايات المتحدة تحولت مع الوقت إلى حرب كلامية واتهامات متبادلة حول من هو مصدر هذا الوباء الذي اجتاح العالم، مخلفاً أكثر من 12 مليون مصاب حتى الآن، والرقم مرشح للزيادة, أكثر من ربعهم بالولايات المتحدة وحدها, وضارباً أكبر الاقتصاديات العالمية.

ومع ارتفاع وتيرة الاتهامات وجهت الولايات المتحدة سهامها إلى منظمة الصحة العالمية, التي لم تنصع لأوامرها بتبني الاتهامات الأمريكية الباطلة “بأن الصين هي مصدر الوباء”. وبالفعل تطورت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنظمة في محاولة للتغطية على فشل إدارته وتأخرها في تطبيق تدابير الحجر والتباعد الاجتماعي, وتأمين المستلزمات الطبية, ما أدى إلى انتشار الوباء بشكل كبير وفقدان السيطرة عليه، وهو ما أدى إلى اندلاع التظاهرات داخل العديد من الولايات الأمريكية, فكان قرار ترامب بالانسحاب من المنظمة في محاولة لتحسين صورته أمام الرأي العام الأمريكي قبل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني المقبل.

وقد تسبب القرار في ردود فعل غاضبة سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها, حيث أصدر بعض العلماء الأمريكيين بياناً نشر في المجلة الطبية البريطانية الشهيرة «لانسيت» يوم الخميس الماضي يعتبر الانسحاب من منظمة الصحة العالمية غير قانوني, كما أنه يشكل تهديداً للأمن الصحي في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم.

وأكد السيناتور الأمريكي بوب مينينديز عبر “تغريدة” له أن قرار الانسحاب في ظل الجائحة لن يحمي حياة أو مصالح الأمريكيين بل يتركهم مرضى ويترك أمريكا وحيدة.

واستغل مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن الموقف وأعلن نيته تمزيق قرار الانسحاب من المنظمة حال فوزه بالرئاسة.

من جانبه أكد بيل غيتس -أحد أكبر المانحين من القطاع الخاص لمنظمة الصحة العالمية وعبر حسابه على تويتر- أن وقف التمويل للمنظمة أثناء أزمة صحية عالمية أمر خطير, فعمل المنظمة يبطئ انتشار كورونا، وإذا ما توقف هذا العمل, فلا يمكن لأي منظمة أخرى أن تعوضه, فالعالم يحتاج إلى المنظمة الصحية العالمية أكثر من أي وقت مضى.

وقد جاءت ردود الفعل الخارجية قوية حيث أكد رئيس الدبلوماسية الأوروبية جوزيب بوريل عبر حسابه على “تويتر” الأسف لقرار الولايات المتحدة وقف تمويل منظمة الصحة العالمية في الوقت الذي نحن بحاجة لعملها أكثر من ذي قبل.

ويؤكد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أن أفضل الاستثمارات الآن تتمثل في تقوية منظمة الصحة العالمية لتطوير وتوزيع الاختبارات واللقاحات.

ووصفت وزيرة الخارجية السويدية القرار بالمؤسف مؤكدة أن العالم يحتاج إلى مزيد من التعاون, وليس أقل لمكافحة التهديدات العابرة للحدود على صحة الإنسان.

ورغم قرار الانسحاب إلا أننا ومن خلال ردود الأفعال يمكننا تأكيد أن القرار لن يؤثر على المنظمة ولن يسقطها كما يراهن ترامب, بل يعد هذا القرار نوعاً من البلطجة التي تمارسها الإدارة الأمريكية داخل أروقة المنظمات الدولية, ويعد قرار الانسحاب أحد القرارات الكاشفة للوجه القبيح للإدارة الأمريكية, التي تحاول فرض سيطرتها وهيمنتها على المنظمات الدولية وإجبارها على إصدار القرارات وفقاً لمزاجها حتى ولو كان ضد مصالح أعضائها أو مدمراً للمجتمعات ومبيداً للشعوب, وهو الدور الذي يجب التصدي له من كل الأحرار في العالم.. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed