آخر تحديث: 2020-08-04 19:49:42
شريط الأخبار

زمن القوارض “السياسوية”!

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

ما الذي يجعل التحليل السياسي يُصاب بالإحباط؟.. لماذا يُصبح حرفة تتكامل مع النذالة؟

التحليل السياسي اليوم هو فعل تكاملي مع الفعل السياسي ونوباته المرضية.. لكل فعل سياسي تحليل وظيفي يسعى لتثبيته والتكامل معه في لعبة النقيض وليس الغاية منه تفكيكه وتحليله كمقدمة لعلاجه.

“مافيا” التحليل السياسي أيضاً لا تقلّ أنانوية ووصولية باعتبارها وظيفة وحدث. كيف للتحليل السياسي أن يتعالى على الحدث في مقاربته وهو جزء من الحدث وشرط من شروط استمراره وأحد آثاره وتداعياته.

التحليل السياسي في الغالب -مما تظهره الممارسة- هو وظيفة وتكْمِلة للحدث. نغيب عن «الزمكان» السياسي ونعود فندرك أن الحقيقة الوحيدة التي يلامسها هذا التحليل هو أنه جزء من حدث، لأنّ الحدث نفسه يقتضي تفسيراً وتوجيهاً وإيديولوجيا تحيط به كهالة تمنحه معناه وحقيقته الخاصة، هنا الحقيقة تتعلقّ بموضوعية العلاقة بين الحدث وتداعياته.

أن ترى في التحليل السياسي خطوة للقبض على حقيقة الأشياء فهذه نظرة كلاسيكية للسياسة في زمن براءة الفعل السياسي.. أما حين ننظر إلى السياسة بمنظار «كوانتي/كوارثي» فسنجدها ملعونة وملعون أبو لعبتها.

في طقس يومي تشرئب الأعناق إلى آخر خبر وتحليل يقدمه صناع إذاعة الخبر. في تسلسل ميديولوجي تنمحي فيه العلل الأولى للأحداث وأخبارها، طقس يحيلنا إلى زمن الأساطير والانشداد إلى لوعة «الكراكوز» يتم تشكيل الوعي السياسي وفق هذا التكرار اليومي، هنا تكتمل مقتضيات العقل السياسي، التربية على السياسة ومعناها، يلهث الجميع بالمنطق نفسه، السياسة كأفيون الشعوب، والأخبار خراطيم صدئة تنقل الأدخنة إلى الرئة من «أراكيل» البثّ اليومي لتتنفس أسوأ معاني السياسة منذ كفت هذه الأخيرة أن تكون علماً (ولا حتى مصلحة بالمعنى الميكيافيللي) حيث باتت نوبة جنون جماعي و«تحشيشة» يومية للعقل السياسي الجمعي.

هناك تدرك أن أخطر شيء على السياسة ليس نقيضها بل من يخرج من معادلة هذا «الديالكتيك» الزائف لينظر إلى السياسة وأخبارها ومحللها كمنظومة واحدة لشيء اسمه الزيف “السياسوي”. هنا يكمن الخطر المرعب للسياسة وأخبارها، لهذه “الوجبات”  الإخبارية اليومية التي ترعاها كروش “السياسوية” المتعفنة في مزايداتها ودجلها اليومي.

يبدو أن قيمة السياسة تكمن في استرجاع معناها الفلسفي ونباهة تحليل الخطاب، فالذين يلعبون الكرة بنا في السياسة الدولية لم يتهجّوا السياسة في لوحة الدجل بل تهجّوها في سياق فلسفتها وأسندوها بفنون التحليل والتفكيك وجينيالوجيا ولادة معانيها وحقائقها، حتى براغماتيتها تمأسست لتكون إسمنتاً لخدمة العقل السياسي الجمعي، فهي خداع للنقيض الدولتي من أجل خدمة الأمم وليس خداع أمم لخدمة «الأنانا».

نبكي على الزمن الجميل حين كانت السياسة حكاية مغامرة ومبدئية وعلم، وليست حرفة من لا حرفة له، وتلاعب بالأفكار المكررة والمعطيات الممنوحة والألفاظ الفجّة وتدوير الزوايا بما يجلب القرف والملل الذي يتصيد الجاهلين بلعبة المافيا وألاعيب الأمم، وكل شيء يجري هنا مع قوارض “السياسوية” تحت ضغط الزمن الخبري الذي لا يشبه الزمن الفيزيائي: الزمن الموضوعي للدّجل.

في التحليل السياسي الذي لا يعدو أن يكون تكراراً يجلب الإحباط ويؤدي وظيفة التحسيس المزيف بالرضا، لازلنا نقرأ الحدث بالتّمنّي ونعتقد أن منطق السيناريوهات الضحلة يشفع لها تمنطقها الداخلي هذا بينما الواقع تتحكم فيه الخطط الرائدة التي تقود الأطروحة ونقيضها معاً في تكامل مشهدية الصراعات السياسية.

عرفت المنطقة أحداثاً مهولة، فاللاّعب لا زال يصنع الحدث وأخباره وتحاليله بما في ذلك الإيحاء بالتأويل النقيض المفترض. لقد تجاوز اللاعب التحكم بأطروحته بل بات يضع مقتضيات التأثير في النقيض. سينشأ هنا مهرجان للعويل والشماتة وكل ما ينتمي لسلالة العاطفة والانفعال. فالسياسة عندنا تحديداً تقرأ إمّا بسذاجة العاطفة وإما بمكر محلّي لا يمتّ لقواعد التفكير اللعبي بصلة. لا شيء هنا جدّي، لا شيء هنا مقنع إلاّ لمدمني الدراما الدامعة.

حتى الأمس القريب كان جو بايدن عنوان يأس من إدارة تحمّست لغزو العراق، بل حتى الأمس القريب كان بولتون صقراً في إدارة عملت وسعها للتدخل العسكري ضد إيران. ما الذي تغير ولماذا بات بايدن هو الخيار؟

نفعل ذلك لأنّ ترامب بات هو الهدف، كما لو أنّ الحكاية هي حكاية شخص. وحتى لا نغوص في تفاصيل ويوميات الخداع الانتخابي الأميركي الذي يراهن معظمنا عليه بصورة غير ناضجة، فإننا لا زلنا نخطئ ونشخصن الموقف. والحقيقة أن ثمة أمرين:

– نخطئ حين نقحم لازمة أن «أمريكا ستسقط غداً» عند كل تحليل حتى في الوقت الذي لا زالت تملك أوراقاً لتجويعنا.

– نخطئ حين نعتقد أن خلاص المنطقة يحمله المرشح القادم وفجأة ننسى ونقدم خدمة انتخابية غبية لكل من بايدن.. ونمكّن -كما نفعل دائماً بغبائنا– لجون بولتون الذي يذكرنا بـ«أستريكس» (بطل في سلسلة مصورة للأطفال تحولت إلى فيلم كرتوني).

لا أمريكا ستسقط غداً ولا أستريكس (بولتون) أو بايدن سيغير المعادلة.

سنتحدث عن العنصرية في أمريكا وسنحمل ترامب كل الحكاية، حتى بايدن يخاطب السود قائلاً: من يصوّت هذه المرة لترامب ليس أسود حقيقياً.

المراهنة على بايدن والتصفيق لبولتون لن يشكل الحلّ. اقرؤوا بالتفصيل ما سبب اختلاف الرجلين، لا تقدموا انتصاراتكم لخدمة بايدن انتخابياً والترويج لمذكرات أستريكس (بولتون).

في مايسمى “قانون قيصر” الذي لا يمكن أن نناقشه قانونياً لبداهة مخالفته للقانون الدولي لا يمكن إلا أن نعتبره جزءاً من تحديث أوراق الضغط.

لن يستطيع “قانون قيصر” تحقيق ما عجزت عنه عشرة أعوام من استهداف سورية. ولا زلت مطمئنّاً لحكمة السياسة السورية، وأراها أقوى في إدارة الأزمة. فمن استطاع الإفلات من المؤامرة منذ عقود ومن الحرب منذ عقد لقادر على سحق “قانون” مفارق يريد التضامن مع سردية مفتعلة لشخص بتجويع شعب بأكمله. ولم يعد يجدي النقر على البعد الأخلاقي والإنساني للسياسة الدولية، ذلك لأنّ المطلوب اليوم هو المناورة. أكرر القول بأنني أثق في السياسة السورية لأنني كل يوم أكتشف وجهاً للواقعية والعقلانية معاً.. كل ما ألاحظه في سورية يمثل العمق الاستراتيجي والذكاء السوري. اسمعوا هذا المديح من حرّ لا من العبيد لأنني أتحدّث بجدّية لا بتملّق.

“قانون قيصر” سيُدار كأزمة وفق مقتضيات السياسة السورية باعتبار سورية دولة مركزية، وهم هنا يستهدفون الدولة السورية التي شكلت ضامناً في كل هذا الصمود الذي نراه في المنطقة.

كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed