آخر تحديث: 2020-08-09 07:44:00
شريط الأخبار

تلوُّث

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

في استذكاره قصّة طريفة روتها له إحدى السيّدات، يحكي الدكتور عبد الله الدنّان، وهو مخترع طريقة تعليم الفصحى لأطفال ما قبل سنّ المدرسة، أنها فقدت قطعة حُليٍّ ثمينة وأنكرت الفتيات الهنديّات الثلاث اللواتي يعملن عندها رؤيتهن لهذه القطعة أو معرفتهن بمكانها، حتى أشار طفلُها الصّغير إلى اللصّة قائلاً: هذه أخذتها! سمعتها تقول لرفيقتها أنها ستخبِّئها بين ملابسها! وشلَّ الذُّهول الأمّ وهي ترى ارتباك اللّصّة، وكيف فهمَ الطّفل لغةَ العاملات التي لا تفهمها هي بذاتها! كان تفسير الدكتور أن الطّفل يفهم اللُّغة التي لا يتقنها، بسبب الاستعداد الفطريّ الذي يمنح الحواسّ قدرةً على الاستيعاب والامتلاء بما يصبّه(الفضاء) المحيط به، وسمّى الحالة بـ( الانغماس).
على مبدأ الدكتور(الدنّان) سنتأمّل طويلاً في حالات عرفناها لعازف ورسّام ونحّات ونسّاج، ونفهم سرّ العبقرية التي أتت من هذا (الانغماس) غير المشخّص، وغير المقصود، أو المبرمَج والمُقَوْنن، لأنّ تنفُّس الهواء وشمَّ الرّوائح والضّغط الجويّ لا يمكن أن نتعامل معها كمادّة متاحة نتحكّم بها، إلا إذا أدركناها بعلمٍ ووعي! ومنها نفهم معنى أن يعيش الطفل، خاصّة في مرحلة عمره المبكّرة، وهي المرحلة الذّهبيّة لـ(الانغماس)، اللغةَ الشّاملةَ المعبّرة عن الحبّ: الهدهدة والحنان والصّوت الدّافئ والموسيقا والشّعر والحوارات القيّمة والبرامج الممتعة، من دون أن ننسى أنّنا نعيش حياتنا على طبيعتنا، لكنْ هناك في الظلّ، كائناتٌ تنمو من حفنات ماءٍ وضَوْءٍ وخصائص شخصيّة لا تفارقنا.
متأمّل الصّبيب اللّغويّ الرّاهن، بحوامله العديدة: الدّراما التلفزيونيّة، وسائل التّواصل، لغة الشّارع، نمط الثّقافة المسموعة والمرئيّة، الألعاب الشّائعة بلا رقابة، بدعة الحداثة في التربية التي ألغت الأحجام والفوارق، الضّجيج الدّاخل في أنساق كأنها أنابيب منفصلة، تخلق العزلة الرّوحيّة بين أقرب المتقاربين في السّكن والإقامة، كلُّها تجعل المتأمّل يضع يده على قلبه متسائلاً إلى أيّ مدى بات خارج صناعة الجدوى والجمال وكم يسهم في هذا التلوّث المرهق للكائنات الجميلة التي يحبُّها؟ وهل هناك من سبيل ليوقف أوّلاً اللّغةَ المشوّهة التي تمركزت في كلّ موقعٍ وعلى كلّ منبر، وعلى فمِ معظم ناطقيها بزعم أنّها لغةٌ صعبة، حار المختصّون في تبسيط طرائق تعليمها، وفي تحديد مراحل تعلُّمها وإتقانها، هي التي بلغت سنّ النضج والرّشد بين لغات الشعوب كلها، وتستحقُّ التّبجيل والتّكريم والعناية لأن ما من علوٍّ وسموٍّ وإبداع، على كل صعيدٍ، إلا بها ومنها.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed