آخر تحديث: 2020-08-12 02:13:56
شريط الأخبار

سوري قديم

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

أكثر الدول عداء للتاريخ هي الدول المستحدثة الطارئة على حركة التاريخ، وذات الإسهامات الضئيلة في المنجز الإنساني، كالولايات المتحدة وغيرها من الدول التي قامت أساساً على تدمير التاريخ وسحق الشعوب والأمم, وفي سياق العداء للتاريخ, واستحلاب الأمجاد التاريخية الغابرة لجعلها تعويضاً عن إفلاس معاصر شامل؛ لا يفوتنا أنّ الثراء التاريخي لا يشكّل بديلاً أو تسويغاً لإفلاس معاصر, ولذلك نستحسن أن يبقى ما للتاريخ للتاريخ، وما ينتمي إلى الإرث الثقافي الفاعل في حياتنا المعاصرة يجب أن يظل يمارس فاعليّته, وجعله طاقة محفزّة في خضمّ انكسارات العصر, مشكلتنا السورية الموروثة منذ عهد الدولة السورية بالاستقلال وممارسة السيادة الذاتية أنّ مناهجنا التربوية, على مرّ العقود, رسّخت قطيعة تاريخية بين الماضي والماضي الأسبق؛ بحيث تبدو منجزات الماضي المحتفى به في النشيد الوطني للجمهورية العربية السورية هو بداية التاريخ السوري, والمشكلة الموازية الخاصّة بماضي منطقتنا السابق لدخولها في الحقبة العربية الخالصة تمثل في أنّ الاستشهاد بما أنجزه الباحثون الغربيون في إضاءة تاريخنا القديم, لا يعني أنّنا نحتاج إلى شهادة الأوربيين لنيل شهادات اعتراف مماثلة لشهادات حسن السلوك، بل يرمي إلى تحفيز البحث في هذا الميدان الخصب، وجعله بحثاً أصيلاً بأيدي باحثين سوريين وعرب، بدلاً من الاتّكاء على ما أنجزه باحثون غربيون نظروا إلى ثقافة المنطقة السورية القديمة عبر مستويين: يتمثّل الأوّل في جعل الثقافة السورية القديمة متناً أصيلاً من متون الثقافة الإنسانية وحلقة راسخة لا يمكن تجاوزها؛ ويتمثل الثاني في إصرار كلّ من (هربرت ريد, وميرسيا إيلياد) على وصف هذه الثقافة بالصفة السورية الخالصة، خلافاً لما يجري على نطاق واسع من تذويب هذه الصفة بسواها من الصفات العمومية كـ«الهيلينية, والمسيحية, أو الفينيقية, وغيرها».
يتحدّث هربرت ريد في (الفن والمجتمع) عن أنّ «الأسلوب الفنّي السوري ترسّخ في أقصى الشمال الأوربي، في نورثمبريا (إنكلترا) وهبريدس, أسكتلندا», وأنّ «الفن المسيحي لسورية وآسيا الصغرى هو الأكثر أصالة وواقعية», ويتحدّث ميرسيا إيلياد في (أسطورة العودة الأبدية) عن كتاب سوري قديم اسمه (كهف الكنوز): «حسب تقليد سوري يؤلّف الفردوس (سرّة الأرض) ويقع على جبل أعلى من كلّ الجبال», ويتحدّث أيضاً عن (أفرام السوري) الذي«أدرك إدراكاً تامّاً سرّ التكرار الأبدي للخلق» مع الانتباه إلى أنّ الحديث عن ثقافة ذات صبغة سورية صرفة في العهود السحيقة لا يعني أنّ الثقافات السورية اللاحقة المصطبغة بهذا اللون أو ذاك هي ثقافات أقلّ شأناً.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed