آخر تحديث: 2020-08-07 13:30:00
شريط الأخبار

مأزق الفلسفة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

لم يعد التجريب -بالمعنى العام- هو نقطة ارتكاز لحداثة مستمرة، باستثناء ما يُشار إليه على أنه من العلوم التطبيقية، وهذا هو أحد الأسباب المهمة لتكالب الأزمات بأبشع صورها على الإنسان المعاصر، وخاصةً فيما يخص أسئلته الوجودية ورؤيته للتاريخ، وبالإيجاز، يبدو أن التراجع المستمر للمشهد التجريبي، يخفي بداخله الكثير من التفاصيل المرجعية لما بات يُثقل كاهل المجتمعات المدنية، ويدفع بها طوعاً إلى التقوقع ضمن الفقرات الأكثر سطحية من تاريخها، بمعنى أن تلك المرجعيات التي تعيش بالخفاء داخل التركيبة النفسية للمجتمعات المعاصرة، باتت تُشكل بدايةً لهويات متطرفة، وتبرر خطواتها العدوانية الداعية إلى إلغاء الطرف الآخر، واستثمار خوفه في مجال تنمية ثقافة الخضوع، والاستسلام لكل ما يُملى عليه من قبل المهيمن الاقتصادي المُعزز بتكنولوجيا خرساء، بمعنى آخر نستطيع القول: إنّ المنجزات الثقافية للقرن العشرين، بما فيها، الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، حق تقرير المصير للشعوب الأضعف.. إلخ من المنجزات التي شكلت شخصية القرن العشرين، قد دفنت إلى الأبد بمعاول التكنولوجيا، وإعلامها الأصفر المُبشر بنهاية التاريخ، والصورة الأكثر وضوحاً التي تؤكد هذا الدفن المعلن نستطيع تدوينها من المشاهد التوافقية بين مجمل الأمم على إحداثيات عصر جديد أكثر إهانة لبني الانسان، عصر حدد بداياته فيروس (كورونا) من دون أن يكون سبباً مباشراً لحدوثه.
بُنيت الحضارات في السابق على قناعة مفادها يجزم بأن (الفلسفة هي أم العلوم)، أي إنها الركيزة الأولى لأي إنجازٍ حضاري، تلك القناعة هي دعوة دائمة إلى السير في ركاب التجريب، أي إنها دعوة مستمرة إلى إعادة تفكيك ممتلكات الماضي، ودراستها، والبناء عليها بما يتناسب ومعطيات الحاضر والحاجات المادية والروحية الطارئة، آخذين بعين الاعتبار الخصوصية الإقليمية، ومدى قدرتها على خلق تحالف بين العلوم الإنسانية، والعلوم التطبيقية يضمن التوازن فيما بينهما لضمان مسيرة الرفاه برجلين صحيحتين، تلك الخصوصية الفلسفية شكلت في الماضي مشروعاً إنسانياً يُبعد الحضارة عن أكل أولادها الشرعيين.
وبات من الواضح بأن مرض التراجع الذي أصاب الخط البياني للتجريب في مجال الفلسفة بالخاص، والعلوم الإنسانية بالعام، أو لنقل عدم توازيه مع مشروع العلوم التطبيقية، قد أفسح المجال لنظرية (نهاية التاريخ) بالمثول منتصرة أمام الجميع، ما سهّل للأمراض الاجتماعية بالتمكن من الأكثرية الساحقة من البشر، ولم تكن الأصولية، بدوافعها، ونتائجها الدموية سوى أحد هذه الأمراض، كذلك لم تكن سوى نتيجة حتمية لانتصار التكنولوجيا -بوجهها الاستهلاكي- على الروح الإنسانية، وهزيمة الفلسفة التي كانت مفعمة بالدعوة إلى التجريب من داخل هذا التوازن.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed