آخر تحديث: 2020-08-07 13:14:06
شريط الأخبار

الأدب النسوي وجدلية القيم الاجتماعية والثقافية

التصنيفات: ثقافة وفن

من خلال ثنائية (الجنس والجنوسة)، نظر النقد الذكوري في الوطن العربي إلى الأدب النسوي طوال العقود الماضية، فالمرأة مؤلفة أو بطلة في السرديات النسوية، شاعرة أو (أنا القصيدة) في الشعريات النسوية، هي محط أنظار ذكورية غير بريئة، لأنها تمثل مصدر الجمال والخصب والإثارة والإغواء.. هذا من ناحية (الجنس) أما من ناحية (الجنوسة) فالفوارق الجنوسية بين الذكر والأنثى هي التي تقتدي المواجهة المحتدمة بين الأدب النسوي ونافذة الذكوري (قارئة الذكوري) كما ورد في الأعمال الأدبية العربية خاصة في رواية الأرض، (لعبد الرحمن الشرقاوي) ورواية الحرام ومسرحية ملك القطن لـ(يوسف ادريس) ورواية عرس الزين وقصص دوحة وحامد، ونخلة على الجداول، وحفنة تمر (للطيب صالح) وغيرهم.
ولهذا فالنقد الذكوري عندما يقارب نصاً نسائياً يستقطب كل ما يتعلق بالمفاهيم البطرياركية (الأبوية/ الذكورية) عندما تقرأ تجليات الأنوثة في المجتمع أو تمظهراتها في التمثيلات (الأدبية- المخيالية) ويحاول فرض وصايته عليها وكأنها تمظهرات قاصرة، ويحول دراسته أو بحثه أو مقالته إلى مصفوفة من الأوامر والنواهي والتعليمات والخطوط الحمر، كما أن النقد الذكوري يواظب على ترسيخ اللامساواة الجنوسية في نقوده المقاربة وتركيزه على حضور العمل (عمل المرأة) ومصدرية المردود المالي الذي تمتلكه المرأة، وهذا ما لوحظ في معظم الكتابات النسوية، فالمؤلفة تتكلم عن كل شيء في حياة شخصيتها النسائية إلا مصدر رزقهن فنجد أن شخصية (غادة السمان) و(لطيفة الدليمي) ومن قبلهن (ليلى البعلبكي) يمارسن حياتهن ببذخ واضح، ومن جانب آخر يأخذ على الرواية النسوية العربية أو القصة القصيرة أو الشعر الذي تكتبه شواعر اهتماماً يذكر بالبعد الأنثوي للمرأة أو لزوجها أو حبيبها، ولا وجود لاختلاف المهارات والخلفيات الاجتماعية والطبقية، لذلك لا نعرف طبقة الرجل الواقف في الظل والذي يمول كل تلك الحفلات والأعياد والصرف غير الطبيعي للمرأة (البطلة) وهي تتحرك في الحاضر السردي لروايتها أو قصتها طولاً وعرضاً، ويعاب على المرأة المؤلفة من قبل النقد الذكوري أن هذه المرأة تستخدم اللغة الهشة المائعة المعومة، البسيطة والمملوءة بالعواطف الجياشة أي اللغة اللابالية والتي تفتقد إلى المفصليات الدقيقة والمؤشرة بحذق لكن النقد الذكوري قد ركز على قوة النظر النسائية في الملاحظة والرصد، فقد وجد في النص النسوي مالم يجده في النص الذكوري من وصف للتفاصيل الدقيقة والمنمنمات التي تختطئها أو تتغافل عنها العين الذكرية لأنها لا تدخل في صميم اهتماماتها مثل حاجات البيت الأساسية في الملبس والمأكل.
لقد أثبتت التجارب الأدبية والفكرية والثقافية طوال العقود الماضية منذ عشرينيات القرن المنصرم أن هناك أدباً نسوياً يتميز عن الأدب الذكوري وأن هناك مزاجاً كتابياً وإبداعياً أنثوياً يحتاج لمن يلتفت إليه بنظرة متفهمة وفكر ثاقب يحترم الحياة، مثلما هناك فروقات جنوسية وبايولوجية، بين الرجل والأنثى، هناك أيضاً طرق وأساليب وأشكال ورؤى وآفاق تختص بها الحساسية الكتابية الأنثوية دون الحساسية الكتابية الذكورية- والاختلاف لا يعني الاقتراب والمقاطعة أو الافتراق أو عدم الاحترام، فما دام الجميع رجالاً ونساء ينهلون من سياقات اجتماعية وتاريخية وثقافية وسياسية وإيدولوجية مشتركة، فهم لا يخرجون أبداً عن الأنساق الكتابية والحياتية التي ولدوا ضمنها وتربوا على التقيد بها وتبجيلها.
وأخيراً يجب ألا ننسى كاتباتنا الأديبات العربيات (فاطمة المرنسي) من المغرب و(نوال السعداوي) من مصر و(حميدة نعنع) من سورية و(نازك الملائكة) و(لميعة عباس عمارة) من العراق، ليبراليات في الفكر السياسي، علمانيات في الفكر الأخلاقي، مدنيات في المنظومة الاجتماعية، انتهت تجربتهن بالانزواء بعيداً عن النشاط السياسي والأدبي والثقافي والمدني العام والاستقالة التامة عن الكتابة والإبداع.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed