آخر تحديث: 2020-08-12 18:52:29
خبر عاجل
الرئيس الأسد: قانون قيصر ليس حالة منفصلة أو مجردة عما سبقه من مراحل الحصار والتي تسببت بضرر كبير على الشعب السوري
خبر عاجل
الرئيس الأسد: لا أحد لديه الحد الأدنى من الوطنية يقبل بالحلول الانهزامية

الشاعر ابن زيدون وهموم ولادة بنت المستكفي

التصنيفات: ثقافة وفن

يحتل ابن زيدون منزلة الصدارة بين شعراء الأندلس باعتباره أشهر صوت شعري عرفه تاريخ الدولة العربية في الأندلس طوال ثمانية قرون، شاعراً ووزيراً وعاشقاً وسجيناً وهارباً ومطارداً وساعياً من بلدة إلى بلدة ومن حاكم إلى حاكم.
إنه ذو الوزارتين، الكاتب والشاعر الرقيق عاشق ولادة بنت المستكفي وبحتري القرن في رأي الكثيرين من الدارسين وعشاق الشعر العربي تشبيهاً له ببحتري الشرق في رقة تعبيره وروعة أساليبه وانطلاق خياله وأصالة فنه وقدرته على التحليق الشعري.
ولد ابن زيدون في قرطبة قرب ختام القرن الرابع الهجري سنة 394 وبها تثقف وأتقن فن الأدب شعراً ونثراً ثم اتصل بـ(ابن جهور) وصار وزيره وكاتبه الأول حتى كان حبّه لولادة ومزاحمه (ابن عبدوس) له في حبها ومكيدته له عند (ابن جهور) التي انتهت بسجنه ومن السجن يرسل ابن زيدون أنات مستعطفة وقصائد مليئة بالشكوى.
أحب ابن زيدون ولادة بنت المستكفي ونظم فيها أعذب شعره، وكانت أديبة شاعرة تبادله الغزل، وله رسالة على لسانها نظمها باسم (رسالة ابن زيدون)، مضمونها التهكم، أرسلها لابن عبدوس الذي كان يزاحمه على حب ولادة، ثم وقعت بينه وبين ولادة وشاية الحاسدين، فرثى لأيام الوصال بقصائد عدة، ومنها قصيدة (أضحى التنائي) والتي اشتهرت حتى قيل ما حفظها أحد إلا مات غريباً ونقتطع منها:
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ألا وقد حان صبح البين صبّحنا حين فقام بنا للحين ناعينا
إن الزمان الذي مازال يضحكنا أنساً بقربهم قد عاد يبكينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا أن طالما غير النأي المحبينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا من لو على البعد حيّا كان يحيينا
كانت ولادة جميلة مثقفة شاعرة مغنية لها مجلس في قرطبة يضم أشهر مثقّفي وشعراء ذلك العصر، أحبّها ابن زيدون حباً ملك عليه حياته وأحبته هي أيضاً، وعاش معها في السعادة أياماً ثم هجرته لسبب تافه اختلف فيه المؤرخون بغناء إحدى جواريها في حضورها فأغضبها منه ذلك ولكي تغيظه وجدت عاشقاً جديداً هو الوزير أبو عامر بن عبدوس.
كانت ولادة تحب الشعر، وكانت تكتب بالذهب على الطراز الأيمن:
أنا والله أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وكتب على الطراز الأيسر:
أمكّن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها
وقالت ولادة مداعبة الوزير ابن زيدون
إن ابن زيدون على فضله يغتابني ظلماً ولا ذنب لي
لم ينسَ ابن زيدون حبه الكبير لولادة التي أهملته تماماً فجعله أبو الوليد سفيراً له لدى ملوك الطوائف حتى يتسلى عن حبّه بالأسفار وينساه، لكن السفر زاد من حب ابن زيدون لولادة وشوقه إليها، فعاد إلى قرطبة وما لبث أن اتُهم مرة أخرى بالاشتراك في محاولة قلب نظام الحكم على (أبي الوليد بن جهور) الذي غضب عليه فارتحل ابن زيدون عن قرطبة وذهب إلى بلاط المعتضد بن عباد في إشبيلية، وهناك لقي تكريماً لم يسبق له مثيل ثم زادت مكانته.
ظلّ ابن زيدون حتى آخر يوم من حياته شاعراً، عاشقاً، فبالشعر عشق وبالشعر خرج من السجن، وبالشعر نال حظوظه في الحياة، ولم ينسَ أبداً ولادة وأيامه الجميلة معها، وتحولت موضوعات ابن زيدون وإبداعاته الشعرية والنثرية إلى مسرحيات أشهرها مسرحية الشاعر المصري فاروق جويد (الوزير العاشق) التي قام ببطولتها عبد الله غيث وسميحة أيوب.
ومن قرأ هموم ابن زيدون في آخر حياته يجدها معاتبة ومفعمة بحب ولادة ومتحدية للخاطف (ابن عبدوس) حيث يقول:
حذار حذار فإن الكريم إذا سيم خسفاً أبى فامتعض
وإن سكون الشجاع النهوس ليس يمانعه إن يعض
وغرّك من عهد ولادة سراب تراءى وبرق ومض
ومن شعر ابن زيدون وولعه بولادة بنت المستكفي قوله:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله كأنما رقَّ لي فاعتل إشفاقا
وردٌ تألّق في ضاحي منابته فازداد منه الضحى في العين إشراقا
وفي الخامس عشر من رجب سنة 463ه، إذ ثارت العامة في إشبيلية على اليهود فاقترح (ابن عمار) و(ابن مرتين) على (المعتمد) إرسال ابن زيدون واضطر هذا لتنفيذ أمر (المعتمد) رغم مرضه وكبر سنه ما أجهده وزاد المرض عليه فدهمه الموت.
رحم الله الشاعر العاشق ابن زيدون وبذلك تنتهي حياة شاعر عربي من الأندلس لكن عبقريته الشعرية لن تموت.

أكاديمي وكاتب عراقي

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed