آخر تحديث: 2020-11-25 10:06:07

الفنّ فعاليّة اجتماعية

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

من المكاسب التي تحقّقت للفنّ والإنسان في القرن العشرين جعلُ الفنّ عملاً بشرياً, وهو عمل مميّز لا يستطيعه أيّ كان؛ لكّنه يظلّ في محصّلته النهائيّة عملاً إنسانيّاً يتجاوز إطاره الفردي إلى جعله نشاطاً اجتماعيّاً على غير صعيد. كان الشائع خلال عدد من القرون أنّ الفنّان شخص ملهم, وأنّ الموهبة ذات المنشأ الميتافيزيقي هي الأساس في جعل الفنّان فنّاناً؛ غير أنّ الدراسات المعاصرة المستعينة بما أنتجته البشرية في سياقي منهجيّة التفكير ومستوى الإنتاج الفنّي المتراكم عبر العصور تذهب إلى أنّ الموهبة بوصفها استعداداً فطريّاً للانخراط في الإنتاج الجمالي لا قيمة لها في معزل عن التعلّم وممارسة الجهد المميّز الكبير.
إن اتّسام الفنّ بالاجتماعية يتجلّى عبر عدد من السبل التي تبدأ في اللحظة التي يباشر فيها الفنان تفكيره بإنجاز عمله الفني، وصولاً إلى طرحه لما يمكن أن نسمّيه استهلاكاً جمعيّاً للمنتج الفنّي في مختلف ميادين الإنتاج الجمالي. الفكرة الذاهبة إلى أنّ الشاعر الفلاني يكتب لنفسه، وأنّ التشكيلي الفلاني يرسم لنفسه فقط, هي فكرة تجانب الصواب، أو تجانب الدقّة في الحدّ الأدنى؛ فالفنّان بوصفه فرداً، مهما استبدّت به فردانيّته هو كائن اجتماعي على مستويات عديدة, كسويّة الأسرة التي ينحدر منها، ومستوى تحصيله العلمي, وما يعانيه من مصاعب أو ما ينعم به من امتيازات، وطبيعة البلد الذي يولد فيه, وطبيعة النشأة وما إلى ذلك. ممّا لا شكّ فيه أن الفنّان – لكي يكون فنّاناً – يمارس افتراقه عن النسق الاجتماعي السائد بهذا القدر أو ذاك, لكنّ ذلك لا يتعارض مع النظر إليه بوصفه محصّلة اجتماعية خاصّة به. ويمثل المجتمع بقوّة أيضاً حتى في ثنايا إنتاج العمل الفنّي الذي يجري إنتاجه بصورة فردية كاللوحة أو القصيدة التي يظهر في خلفيّات كلّ منهما الآخرون بوصفهم متلقّين، أو بوصفهم مستهدفين بالتلقّي. في مثال الشاعرة الأمريكية إميلي ديكنسون التي عاشت من غير أن تغادر بيتها إلاّ لماماً، تاركة للثقافة الإنسانية ما يربو على خمسة آلاف قصيدة لم تُعرف إلا بعد موتها, يفترض الباحث أنّها كانت تأمل على نحو غامض – حتى لو لم تعبّر عنه بصورة صريحة أو واعية – بأن يجري اكتشاف ما أبدعته يوماً ما الأنشطة الاجتماعية المعقودة على تلقّي الإنتاج الجمالي كالمعارض والأمسيات الشعرية والحفلات الموسيقية والمسرحية , هي فعاليات ذات طبيعة اجتماعية صريحة لا تحتاج إلى بسط أو نقاش.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed