آخر تحديث: 2020-08-12 17:45:47

أين القانون الدولي من الأنهار العابرة لدول عربية؟

التصنيفات: دراسات,سياسة

مر القانون الدولي المنظم لاستخدامات الأنهار الدولية عبر تطوره التاريخي الطويل بمرحلتين مهمتين، أولهما أنه انبثق أصلاً من تكريس حرية الملاحة النهرية بالنسبة إلى المجاري المائية القابلة للملاحة، ثم انتقل إلى الاهتمام بتنظيم استخدام المجاري المائية الدولية لغايات أخرى (زراعة، صناعة، توليد طاقة كهربائية).
قديماً كانت المياه النهرية من الأموال المشاعة كالفضاء وأعالي البحار، إذ لا يستطيع المنتفع التصرف بها كما يشاء، ثم تبدل الوضع ابتداء من القرن العاشر مع ظهور الإقطاعيات واحتكارها للملاحة في أجزاء من المجاري المائية التي تعبر أراضيها أو تجاوزها، ومنذ ذلك الوقت بدأ يظهر للعيان الفرق بين النهر الدولي والنهر الوطني، استناداً إلى مفهوم الملاحة، فإذا كان النهر صالحاً للملاحة ويفصل بين دولتين أو أكثر كنهر الراين بين فرنسا وألمانيا أو يعبر أراضي دولتين أو أكثر كنهر الدانوب فهو نهر دولي، ولكل دولة يمر فيها حق حرية الملاحة في الجزء الذي يعبر أو يجاور أراضيها، ولا يسمح لدول أخرى بالملاحة فيه إلا بموجب اتفاقيات خاصة ومقابل رسوم معينة.
وما لبثت حرية الملاحة أن بلغت أوجها عندما أقر المرسوم الصادر عام 1792 عن المجلس التنفيذي المؤقت للثورة الفرنسية مبدأ حرية الملاحة في جميع الأنهار الصالحة للملاحة ولمصلحة جميع الدول المتشاطئة، ثم ترسخت حرية الملاحة كقاعدة قانونية بموجب وثيقة فيينا 1815 ومعاهدة فرساي للسلام 1919 بالنسبة لأنهار الراين والدانوب وألبه، إلى أن تم التوصل بإشراف عصبة الأمم إلى عقد اتفاقية برشلونة 1912.
مسألة الملاحة في الأنهار الدولية لا تثير حالياً أي مشكلات ذات أهمية بعدما ترسخت قاعدة حرية الملاحة عرفياً وبموجب اتفاقيات خاصة، لكن الأنظمة القانونية لبعض المجاري المائية لا زالت تتسم بعدم الوضوح والاستقرار كما هي الحال في أحواض الفرات ودجلة وشط العرب وحوض الأردن والنيل، في حين تم عقد اتفاقيات خاصة، ثنائية ومتعددة الأطراف لتنظيم استخدامات كثير من المجاري المائية الدولية، كاتفاق 1963 للملاحة في نهر الدانوب، واتفاقية 1976 لحماية نهر الراين من التلوث الكيميائي، واتفاقية 1973 لتنظيم استغلال مياه نهر السنغال واتفاقي 1960 حول تقسيم مياه نهر الهندوس و1978 حول استغلال مياه حوض الأمازون.
كما يشار بهذا الخصوص إلى القرار التحكيمي لعام 1975 حول استخدام بحيرة “لانو” بين فرنسا وإسبانيا، وحكم محكمة العدل الدولية لعام 1997 في قضية المشروعات المنفذة على نهر الدانوب بين المجر وسلوفاكيا، وكذلك القرارات الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة لعام 1977 حول المياه، ومؤتمرات أعوام 1972، 1992، 1997 حول البيئة والتنمية، وهو ما يؤلف بمجمله محور قانون استخدام المجاري المائية الدولية.
في السابق لم تكن قضية استغلال المياه بين الدول التي يجري فيها النهر الواحد مثار منازعات وذلك لمحدودية التنمية والزراعة، ولكن أمام تزايد أعداد السكان في معظم الدول، باتت الحاجة إلى استثمار المياه لدوافع اقتصادية وخاصة الزراعية منها ملحة، وهو ما جعل الحاجة إلى تنظيم اتفاقيات دولية واضحة تحدد حصص كل دولة أمراً مهماً بغية درء الخلافات بين الدول المتشاطئة.
وفي هذا الصدد لا يمكن الاعتماد دائماً على الاتفاقيات الثنائية أو الثلاثية لفض النزاعات حول اقتسام المياه، بل تشريع قوانين دولية تحدد الحصص، وتمنع قيام المنازعات خاصة أن الكثير من الدول التي تسير فيها هذه الأنهار باتت تلجأ إلى إقامة السدود واحتجاز المياه، ما قد يلحق الضرر بالدول الأخرى.
عن «الإيكونوميست» البريطانية

طباعة

التصنيفات: دراسات,سياسة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed