آخر تحديث: 2020-08-07 01:00:20
شريط الأخبار

الذاكرة الجزائرية لا تمحى بالتقادم

التصنيفات: سياسة

لا يتوقف النضال ضد المستعمر في مرحلة من المراحل، فالاستعمار دائماً ما يأخذ أشكالاً متعددة ولو انتهت فترة الاستعمار المباشر.. ولا يقتصر النضال على النضال الميداني والمعارك حتى طرد ذاك المستعمر، فالطبيعة التراكمية للنضال تجعله في ديمومة لحماية منجزاته ومكتسباته في إحدى المراحل المخلدة في الذاكرة الجمعية والبناء عليها، وبالتالي لابد أن يأخذ فيما بعد أشكالاً دبلوماسية وسياسية ولاسيما إن بقي أثر من أيام المستعمر، فرغم انتهاء الاستعمار الفرنسي للجزائر(1830-1962)، لكن العديد من القضايا العالقة بين فرنسا والجزائر منذ فترة الاستعمار جعلت من النضال الجزائري مستمراً سياسياً ودبلوماسياً لإعادة كل ما سرقته فرنسا.
وفي سياق النضال الدبلوماسي والسياسي، استعادت الجزائر دفعة أولى من رفات وجماجم 24 من قادة المقاومة الشعبية الجزائرية في القرن الـ19 ضد الاحتلال الفرنسي بعد أكثر من 170 عاماً على احتجازها بمتحف “الإنسان” في باريس، ليرقد رفات هؤلاء القادة في تراب وطنهم في عيد استقلاله الـ58 الذي صادف في الخامس من الشهر الجاري والذي عبدوا الطريق إليه بدمائهم، وأكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن الدولة عازمة على إتمام استرجاع رفات المقاومين حتى يجتمع شمل جميع الشهداء فوق الأرض التي ضحوا من أجلها بأعز ما يملكون، معلناً أنه يريد اعتذاراً كاملاً من فرنسا عن ماضيها الاستعماري في بلاده.
ليس بفضل فرنسا عادت الجماجم بل بفضل حماية الشعب الجزائري لإرثه النضالي، وترسيخ فرنسا كمستعمر محتل في ذاكرة الجزائريين نكّل وهجّر وارتكب أبشع الجرائم، وما احتفاظها بتلك الجماجم إلا تعبير عن عقلية استعمارية تحاول إخفاء أي أثر لمن قادوا النضال ضدها ودحروها ذليلة، وما إعادتها الآن إلا رغبة في إبداء “حسن النية” ولتبييض صفحتها عالمياً علها تدفن إرثها الاستعماري الإجرامي، لكن مُحال أن ننسى.
“حسن النية” يكمن كشف كذبه من خلال التعنت الفرنسي في موضوع إعادة أرشيف التراث الوطني الجزائري الذي يحتوي على قطع فنية وكتب وخرائط تاريخية تطالب الجزائر باسترجاعه –تمكنت من استرجاع 2% منه- وهو حق لا يمكن التنازل عنه، إذ قال مدير الأرشيف الوطني ومستشار الرئيس الجزائري لشؤون الذاكرة عبد المجيد شيخي: لا توجد إرادة حقيقية لدى الجانب الفرنسي لطي ملف الأرشيف نهائياً، لكن الجزائر لن تتراجع أبداً عن مطالبتها باسترجاعه.
أما عن خلفيات تعنت فرنسا في عدم تسليم الأرشيف، فيلخصها الخبراء في هذا الشأن بالنقاط التالية، أولاً: حتى لا تُكشف الجرائم التي ارتكبتها طيلة سنوات استعمارها للجزائر، إذ إن الأرشيف هو دليل قاطع على احتوائه على كل المعلومات والأدلة والبراهين عن كل الجرائم الفرنسية الاستعمارية المرتكبة في الجزائر، وبالتالي حتى لا تتم كتابة التاريخ، وثانياً: تتخوف فرنسا من انتقال المعلومات خشية تزعزع صورتها أمام العالم، وثالثاً: التمسك الفرنسي بالأرشيف يعود إلى مخاوفها من مطالب التعويض التي ألحقتها مجازرها وتجاربها النووية بحق الجزائريين وحتى البيئة.
من المفارقات الصارخة، أن تدرس فرنسا خيار الاعتذار أم لا أو حتى ترفضه، وفي نفس الوقت تستمر في سرقة الأرشيف الوطني الجزائري، بينما تطالب بتعويض “الأقدام السوداء” عن ممتلكاتهم التي تركوها في الجزائر عند مغادرتها بعد عام 1962!، وهم الفرنسيون الذين ولدوا وعاشوا في الجزائر خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر ثم غادروها وتركوا وراءهم “أملاكاً وعقارات”.
الاعتذار عن الجرائم الوحشية لأي مستعمر مطلب حق، ولكن لا يمكن لأي اعتذار أن يلغي التاريخ وحقيقة المستعمر، ولا يمكن لأي تعويضات أن تُغلق الجراح أو تلغي ما تحتفظ به الذاكرة، فالذاكرة لا تمحى بالتقادم، ولكن إعادة الحقوق لأصحابها تُكرِّس المزيد من الانتصارات على العقلية الغربية الاستعمارية.

طباعة

التصنيفات: سياسة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed