آخر تحديث: 2020-11-25 10:42:26
خبر عاجل
إخماد حريق صغير في إحدى غرف المدينة الجامعية بدمشق والأضرار مادية

وراء السُّحب

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

إنّه صباحٌ جديدٌ مفعمٌ بسعادة لا قدرة للروح على استيعابها!
خرج الزّوجان لتوّهما وهي لا تزال على العتبة، لم يتغيّر شيء إلا وقفتها، فحين دخلت كان وجهها مقابل السّتارة الفضّيّة المنمّشة الواسعة، في عمق القاعة الفسيحة، وحين خرجا كانت قد استدارت إليهما لتنحني مودِّعةً، تستمع إلى الأوامر تتدفّق من فَميْن: أطعمي الصّغير حين يستيقظ، وبدّلي (غياراته)، ولا تغادري غرفة المهد مادام مستيقظاً، وعاء طعامك على منضدة المطبخ، قدّمي للببغاء صحن التّين الموضوع على عتبة النافذة في الشّمس، لكن بعد ساعتين. مفهوم؟ وكانت «زهرة» تهزُّ رأسها من دون توقّف تتمنّى أن يزول كلُّ شيء لتركض إلى الطّعام!
تمّت الصّفقة منذ شهور بين أبيها والرّجل الثريّ: تأتي للخدمة في هذا القصر مقابل طعامها وتلقِّي بعض الدّروس، لأن فقر العائلة المدقع لا يتيح لها الالتحاق بالمدرسة ورفاهيةَ الذهاب والإياب منها، وصارت تشعر بالأمان حين تشبع، وبالأمومة حين تطعم الطّفل وتنظّفه، رغم أنها لم تُتمَّ الثّامنة بعد، وإذا غاب الرّجل تاجر الطّيور عن القصر يهدأ قلقٌ يلمُّ بها، أمّا إذا غابت المرأة معه فإنها تتحرّر من بطء الحركة وخوف التنقُّل في الأبهاء والممرّات، وهاهما يتركان لها كلّ القاعة الفخمة والشّرفة المشمسة بأرائكها وأقفاص الكناري تغرّد بأعلى أصواتها تأخذ طبق طعامها عن النُّضُد لتأكله بحذر شديد على أرجوحة الشّرفة، حتى لا يسقط فتاتُ الخبز ويُغضب السيّدة، لكنّ الببغاء هو من يغضب ويصيح: «زهرة… زهرة» تتأمَّله مذهولةً بريشه الملوّن، بحذائه تقف أنثاه صامتة معجبة، فقد سمعت السّيّد يحدّث ضيفاً عن عشق الببغاوات الأزواج لبعضها، وأن الذَّكر لا يعرف إلا أنثاه مدى الحياة! – ماذا تريد؟ لم يحن وقت طعامك بعد! سأقدّم لك التّينَ النّاضج بعد ساعتين، هكذا قالت السيّدة! ينفش الببغاء ريشَه ويرفع رأسه فتدرك أنّه غاضب! – ما الذي أغضبك؟ الماء موجود في القفص، وسأزيل الحبوب، بقايا إفطارك، من قاع القفص! يضرب الطّائر قضبان القفص بجناحيه، لحظة تمرُّ سحابة وتحجب الشّمس بلطف وطراوة: فهمت. تريد أن تحلّق خارجاً، تريد أن تغتسل بالمطر، تريد أن تتنزّه مع أنثاك، بعيداً عن القفص الملعون، هيّا اخرج واذهب حيث تحب فأنت لستَ مثلي بلا جناحين.
حلّق الطّائران باتجاه السّحب، قبل أن يحطّم الرّجل الثريّ أضلاعَ الطّفلة التي ضيّعت ثروته في لحظة طيشٍ، ويفضي بها إلى الموت، تحت سماء «راولبندي، باكستان».

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed