آخر تحديث: 2020-11-29 00:19:47

ما لقيصر لقيصر

التصنيفات: سياسة

مثلت ظاهرة “الجلبية” السياسية، التي تنسب إلى أحمد الجلبي السياسي العراقي الذي كان من أبرز المؤثرين في استصدار ما يسمى “قانون تحرير العراق” الذي استنه الكونغرس الأمريكي العام 1998 في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، مطية داخلية استخدمتها واشنطن لغزو العراق واحتلال أرضه عام 2003، حيث الهدف الأكبر لهذا الفعل الأخير هو تفجير المنطقة برمتها انطلاقاً من الجغرافيا والديموغرافيا العراقيتين.
منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي كان أحمد الجلبي، وحسين الشهرستاني، يعتليان منابر الغرب بطوله وعرضه، ومنها راحا يسوقان الأكاذيب لإشاعة مزاج غربي عام داعم لعمل عسكري تشنه حكوماته ضد العراق، وهو يفضي بالضرورة إلى المآلات التي راحت تتبلور تباعاً منذ سقوط بغداد في نيسان 2003 فصاعداً.
جهدت واشنطن، ما بعد نجاح ظاهرة “الجلبية” السياسية في العراق، في استنساخ وتسويق تلك الظاهرة على امتداد المنطقة، حيث ستبرز أولى المحاولات الأمريكية في هذا السياق عبر استصدار ما يسمى “قانون محاسبة سورية” في العام 2004، والهدف منه هو “شد عصب” مجموعة من المأجورين السوريين يعملون من الخارج على تكرار ما جرى في العراق، ثم جاء “إعلان دمشق” في أيلول 2005 في السياق ذاته، قبيل أن تخرج النسخة المنقحة المسماة “لجان التنسيق المحلية” في أعقاب افتعال الأزمة في سورية العام 2011.
أكثر ما يلفت النظر في ظاهرة “الجلبية” السياسية في سورية هو أن مريديها كانوا أكثر استعداداً، من نظائرهم العراقيين، في الرضوخ لإملاءات الخارج، بل أكثر قابلية أيضاً لتقديم تنازلات كبرى طالت المحرمات الوطنية التي ابتناها الشارع السوري منذ الاستقلال في العام 1946.
في متابعة مراحل التكوين التي مر بها ما يسمى “قانون قيصر” يمكن لحظ أن جنين هذا الأخير كان قد ارتسم أواخر العام 2016، بالتزامن مع عودة مدينة حلب إلى السيادة السورية، ثم شهدت تمرحلاته، التي استغرقت حوالي 45 شهراً قبيل أن تحدث الولادة في 17 حزيران الماضي، العديد من التحولات التي كانت تجري على وقع تواتر الأحداث في الداخل السوري، وهي في مجملها كانت تشير إلى استعادة الدولة السورية للكثير من المناطق من براثن الإرهابيين في الأعوام التي سبقت ارتسام الجنين.
لن ندخل هنا في سجال قد يطول لتفنيد بنود هذا “القانون” الذي يحتاج إلى مساحات أوسع مما تتيحه هذه العجالة، لكننا سنذهب إلى خطاب يلامس عموم أذهان ومشاعر واحتياجات الشارع السوري، فقد نشرت مواقع تسمي نفسها “معارضة” في حزيران المنصرم، أن أحد السوريين المقيمين في الولايات المتحدة كان قد ذهب إلى مصرف لتحويل نقود إلى ابنه الذي يدرس في كندا، لكن المصرف رفض لأن طرفي المعادلة سوريان، والحادثة على بساطتها بالمقياس السياسي، إلا أنها بالغة الدلالة، بل من الممكن استخدامها كـ”مسطرة” للقياس بها عما سيطول مستلزمات الإنتاج الزراعي والصناعي، وكذا عما سيطول مجالات تأمين الاحتياجات المعيشية الأكثر ضرورة.
ما نريد قوله هنا هو أن “قانون قيصر” الذي تزعم الإدارة الأمريكية أنه وضع لـ”حماية المدنيين” السوريين، إنما وضع أساساً لـ”ترويض” السوريين، والغايات التي يرمي إليها هو تحطيم تلك الذات التي تستشعر في تكوينها قدرة فائقة على النهوض، وما أسطورة “طائر الفينيق” السوري التي تقول إن هذا الأخير يقوم بحرق نفسه كل خمسمئة عام ليخرج من رماده طائر فتي أكثر قدرة على التحليق والسيطرة على سماواته، إلا ترسيخاً لتلك القدرة المنغرسة في ذات السوريين الجماعية.
ولأولئك المشككين في هذا التشخيص الأخير، تكفي هنا إحالتهم إلى ما قاله جيمس جيفري المسمى “مبعوثا” أمريكياً خاصاً إلى سورية على صفحات جريدة “الشرق الأوسط” أواخر الشهر الماضي.
إن نظرة متأنية للمرامي التي يهدف “قيصر” إلى تحقيقها تشير إلى أنه يهدف على المدى الطويل إلى “خلق شرخ” يصعب ترميمه في الذات السورية، ومع تداعياته التي تفترض توسعة ذلك الشرخ شيئاً فشيئاً بمرور الوقت، تذهب آمال “المشرعين” الأمريكيين إلى إمكان تحطيم الثقة بالنفس والقدرة من جديد على النهوض، ولذا فإن الواجب الوطني، يقتضي مهما تباينت الرؤى بين السوريين، إعطاء “ما لسورية لسورية.. وما لقيصر لقيصر”.

طباعة

التصنيفات: سياسة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed