آخر تحديث: 2020-08-12 02:13:56
شريط الأخبار

هل ثمة ضرورة للتمكّن من مدارس الإبداع كلها؟ والكتابة في نمط جديد.. هل تشترط تجاوز ما سبقها؟!!

التصنيفات: ثقافة وفن

لا يزال البعض يشترط على كل من يريد الإبداع في مجالٍ ما، موسيقياً أكان أم شعرياً، أم تشكيلياً… أن عليه حتى يبدع ويأتي بجديد، أن يتمكن أولاً مما هو قديم ليتسنى له تجاوزه.. فعلى سبيل المثال في مجال الشعر كي يكتب شاعر ما قصيدة النثر، عليه أن يتمكن من الكتابة على الأنماط التي سبقت، أي على نظامي البيت والتفعيلة!. والحال كذلك مع قصيدة التفعيلة، وبقية الفنون… فهل ترون منطقاً في وجهة النظر هذه، أم تعتقدون بوجهة نظر أكثر حيوية، وما هي أسبابكم؟. توجهت «تشرين» بالسؤال للشاعرتين: بسمة شيخو، قمر صبري الجاسم، وللشاعرين: محمد عامر الأحمد، وعماد الدين شاتيلا، ومعاً نقرأ مساهمتهم:
تجنب الاستسهال
لا ترى الشاعرة بسمة شيخو – ولها كتابات أيضاً في النقد التشكيلي- ‎أن كتابة الشعر الموزون شرط لكتابة قصيدة النثر، لكن الشرط الواجب تحقّقه من وجهة نظرها «معرفة ماهية الشّعر وفهمها، وهو ما يتوجب معرفته من قِبل شعراء الموزون أيضاً، فبعضهم ينشغل بالشكل والقافية ناسياً حقيقة الشعر»، وترى «أنه من المُعيب بالطبع ألا يعرف شاعر قصيدة النثر ما المقصود بالشعر العمودي أو شعر التفعيلة، وألا يعرف بعض البحور» وهي تظن أن «من يشترط على شاعر قصيدة النثر كتابة الموزون إنما كان يريد أن يتجنب الاستسهال الذي يجعل قصيدة النثر متاحة ومستباحة لأي شخص يريد أن يحوز لقب شاعر!!! من دون امتلاكه لأدنى مقومات.. لذلك لا من ناحية الموهبة ولا حتى إتقان الصنعة الأدبية». ‎أما في الفن التشكيلي فترى الشاعرة بسمة أن ثمة ضرورة في أن نصعد درجةً درجة ونتعلم أصول الفن وأبجديته، فمن غير الممكن أن نتبنى المدرسة التجريدية قبل أن نتقن المدرسة الواقعية – إلى حدٍّ مقبول- ؛ فلو حصل ذلك لكان النتاج الفني أقرب لأشكال عشوائية من دون معنى ينطلق منه الفنان، حتى لو كانت اللوحة تتمتع بقدر كافٍ من الجمال الشكلي الممتاز تقنياً، إلا أن الفن ليس شكلاً جمالياً تزيينياً فارغاً، إنما هو إشارة بصرية تحيل المتلقي لتأويل يناسب ثقافته, وتختم بسمة مساهمتها بالقول: «إذاً لا قطيعة مع القديم، لكن كذلك لا اجترار له ولا تقليد أعمى لمسيرته؛ فالأمر ببساطة أشبه بأن يُطلب منك إتمام كتابة قصة، لكي تنجح يتوجب عليك قراءة البداية».
الإبداع ليس هدماً
يشير الشاعر محمد عامر الأحمد أولاً إلى أنّ كلمة الإبداع «مرتبطة بالخلق والابتكار والتجديد والتجاوز، وأبدع الشيء في اللغة تعني أحدثه وجدده، وهناك فرق شاسع ما بين الإبداع والاتّباع، فالفنان التشكيلي سيلفادور دالي كان مبدعاً في المدرسة السوريالية التي أضاف لها الكثير من أفكاره، ولم يشترط عليه أحد أن يكون مبدعاً في الكلاسيكية, لكنه اطلع على تراث من سبقوه بكل تأكيد.. كذلك الفنان الراحل محمد عبد الوهاب الذي نهل من معين من سبقوه في الموسيقا الشرقية والغربية وأبدع خصوصيته وتفرده، كذلك الشاعر بدر شاكر السياب الذي أبدع في شعر التفعيلة بعد أن هضم التراث وتجاوزه، وأيضاً الشاعر /أبو تمام/ الذي أضاف الجديد إلى القصيدة الكلاسيكية وخالف من قبله, فأتى بكل ما هو بديع وغريب وكان مبدعاً، أما بودلير العظيم الذي أسس لقصيدة النثر وأبدع فيها ولقب بـ «شاعر العالم» فقد تجاوز القصيدة الموزونة بعد أن اطلع على تراثها ولم يستطع أن يكون مبدعاً فيها كما كان مبدعاً في قصيدة النثر. وفي الفن الروائي هناك الكثير من الأسماء التي تجاوزت الرواية الكلاسيكية وأبدعت في مدارس أخرى مبتكرة بعد أن اطلعت على تراث من سبق.. واسم الروائي موراكامي شاهد حقيقي». وينبّه الشاعر الأحمد إلى أنه «ليس إبداعاً أن نهدم منزلاً ثم نأتي لنشيد منزلاً آخر يحمل المواصفات نفسها في أساس البناء ولكنه يختلف في طلاء الجدران فقط، علينا فهم الأساسات جيداً حتى لا يقع سقف المنزل فوق رؤوسنا، وعلينا ابتكار طريقة سليمة للبناء مختلفة عمن سبقونا لكي يقال إننا مبدعون». وفي نظر الأحمد «ليس شرطاً على من يبدع قصيدة النثر أن يبدع في الموزون، لأن الوزن ملكة خاصة ربما لا تكون لكل من يكتب، ولكن على من يكتب النثر أن يهضم الشعر كي لا يقع في مطبات السرد الباهت».
الاهتمام بالنصّ

تبدأ الشاعرة قمر صبري الجاسم مساهمتها بالقول: «لا بد من التمكن بما هو قديم من ناحية الثقافة والاطلاع على كل صنوف الإبداع, والقراءة ليس في الشعر فقط للشاعر, والرواية للروائي, بل حتى الاطلاع على الفنون الأخرى, وليس في منطقة جغرافية محددة أو لغة محددة بل في العالم كله لتتكون لديه رؤية ويبني ثقافته على أساس متين, ويختار خطه ويضع بصمته الخاصة بغض النظر عن الشكل أو النمط». وتنبّه أيضاً الشاعرة قمر إلى أنه «ليس بالضرورة أن يتسلسل كما لو أنه في المدرسة, بل يخلق مدرسته الخاصة, ويثبت وجوده وتميزه. وهذا لا يعني أن نلغي مراحل تطوره الطبيعية». وترى قمر أنه «ليس بالضرورة أيضاً إن تمكن شاعر من كتابة نمط وأبدع به أن يجيد الأنماط الأخرى». وفي ختام مساهمتها تشير قمر إلى أننا نعاني في الحياة عامة من اتهام بعضنا بعضاً, ولذلك أتمنى أن ينشغل كل مبدع بمنجزه ويتركه للتاريخ فهو الفيصل, ونهتم بالنص بغض النظر عن شكله ونمطه وكاتبه وتاريخ كاتبه الإبداعي أو النفسي أو السياسي أو جنسه أو انتماءاته, أن نتعامل مع النص فقط وفقط.
موهبة ومثاقفة
ويعيد الشاعر عماد الدين شاتيلا المسألة إلى لحظة الإبداع التي هي في نظره لا تزال صيرورة شائكة وبعيدة المنال عن تناولها بشكلٍ علمي دقيق، فلو فرضنا أن أساسها على قانون الدراسة لكل ما هو سابق لها، فقد نتنكر للكثير من التجارب التي أبدعت في سن مبكرة، من دون أن تتسنى لها دراسة كل ما سبق لها، ولو قدّرنا أنها ليست مبنية على الثقافة والإلمام بكل ما هو سابق لها، فهذا يعني التنكّر للكثير من التجارب التي كانت مبنية على دراسة كل ما سبق من تجارب والإلمام بما تركه لها تراثها السابق، سواء كان أدباً أو موسيقا.. إلخ». أمّا دليل الشاعر شاتيلا على ذلك فهو «ملاحظتنا للتفاوت على صعيد الإنتاج الفردي، الذي ربما كان نتيجة المحاولة للقبض على كنه هذه اللحظة من الإبداع التي يحلم أن يتوج نفسه بها أي فن من الفنون. لذلك فإننا نجد بين هذين الخيارين الكثير من الإشكاليات التي قد تتعلق بالحب لما يقدمه الفنان وما يقدمه من تكريسٍ وتفانٍ له، كما قد تتبنى الظروف والصدق مع الذات الحيز الذي يشكله الإطار بين هذا وذاك، إلى جانب الموهبة التي غالباً ما تكون فطرية وقد تتفاوت بطبيعتها بين شخص وآخر، ومن فن لآخر، والتي قد تختلف مدة صقلها للوصول إلى ذروة ما يصبو إليه الفرد». وتبقى مسألة الفن في نظر الشاعر شاتيلا «بين الموهبة والمثاقفة مسألة نسبية محفوفة بالكثير من المسائل التي تحتاج للكثير من البحث والتدقيق لإثبات علميتها».

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed