آخر تحديث: 2020-11-25 10:53:50

الجهل المنهجي.. وانقلاب «أنا موجود إذاً أنا أفكر»!

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

إحدى مسارات العلم، اختراق الجهل المبرمج، ذلك النوع من الجهل الذي لا يمثّل «العدم المقابل للعلم» بوصفه وجداناً، بل بوصف الجهل هو نفسه يحتلّ مقام العلم فيصبح وجداناً.

وتبدو وسائل التعليم ضرباً من وسائل التجهيل أحياناً حين تصل بالمتلقّي إلى أن يكون شريكاً في هذا التضليل، أي حين يجد الجهل: «انظر تجد». والحقيقة أنّنا في مثل هذه الحالة لم ننظر بل تناظرنا -بمعنى تظاهرنا بالنّظر وليس من المناظرة- إلى حين تحقق الوجدان الخادع. في هذه الوضعية تصبح مهمّة العلم خطيرة، لأنّها لا تقارع الجهل بوصفه عدماً بل ستقارعه اليوم بوصفه وجداناً مضللاً.

نحن حتماً إذا نظرنا سنجد ، ولكن ماذا سنجد وما شروط النظر التي تجعلنا حقّاً نجد؟

إنّ الوجدان متاح على كل حال ولكن: ما الوجدان المُعتبر في المقام علماً؟

هنا تكمن المشكلة الكبرى، وهنا سال مداد كثير لصيانة الفكر ضمن النظر القويم، حيث نتساءل باستمرار: وما معنى أن يكون النظر قويماً؟

هنا ستواجه العلم قضية أخرى، وهي أنّه لن يتكلّف مهمّة إبعاد الجهل من مقام الوجدان بل سيكون مضطراً للإقناع بوظيفته وجدواه لأنّ شيئاً ما يتهدد هذه الجدوى هو تراجع دائرة البداهة وظهور بدائل من المنطقيات الجديدة التي لا تتأسس على أورغانون «منطق أو معيار العلم» بل على نتائج مركّبة آنية واستنتاجات اعتباطية، فيصبح المطلوب هو: «جد تنظر» وليس «انظر تجد» بمعنى الانطلاق من وجدان مسبق، وقد يكون أي وجدان للبناء عليه.

سيُقال بأنّنا اليوم تجاوزنا كل الأقانيم المنطقية، وقد ترى في معيار العلم ما لا نفع فيه ولا فائدة، لكن سنجد أنّنا نتجه إلى تيه بلا بدايات ولا نهايات، وفي وسط هذه المتاهة سنستند إلى «أورغانون» عدمي يتقوّم بمبدأ: «جد تنظر» وحتماً سنجد بين أيدينا جهلنا الأوّل -الطبيعة الجاهلة- أو جهلنا المستفاد -المآلات الجاهلة- وبين جهلنا في المبتدأ وجهلنا في المنتهى، لن نحقق سوى تجربة وجودية زائفة ومحقاً منهجياً للوجود والمعنى وانقلاباً أيضاً في «الكوجيتو»: «أنا موجود إذاً أنا أفكر» ولا يهم كيف أوْجَد ولا كيف أفكّر.

في التجهيل المنهجي نواجه إرادة شريرة كامنة في صميم النشاط العقلي نفسه حين يصبح العقل آلة صمّار (آلة منع) في برنامج تقرره إرادة تتحكم في مسارات التّعقّل، نحن أحرار في اختيار أي مسار عقلي لكننا مسؤولون أمام مخرجات أي برنامج بوصفنا نريد. لسنا أحراراً في تفادي نتائج ما نريد، لعل الفارابي كان واضحاً في تشخيص حالة «كائن مجبور في صورة مختار».

لنقف هنا عند معضلة التّواصل. لقد انفجرت التواصلية ليس استجابة لحاجة عصر يتواصل بصورة غير تواصلية بل لكي يلتف العالم على العقل، لأن الكائن الذي لم يكف عن الزعم بأنه كائن عاقل هو كائن لا زال لم يتصالح مع عقله. كلٌّ وجب أن يتواصل في حدود ما يتيحه المعنى. كل تواصل زاد عن حدّه كان سبباً في تعويم المعنى وتهديم العقل، فعلى هذه الجسور الكثيرة التي نبنيها بيننا تمشي إرادات زائفة وتتحرك، لا لكي تلتقي بل لكي تتجزّأ وتتلاشى، الإنسان ذئب لأخيه الإنسان وستعود حكاية توماس هوبز (فيلسوف إنكليزي وكتابه اللفياثان- وحش بحري خرافي) لتضعنا أمام حافة التهديد للأمن البشري الذي يقتضي الرضوخ لتعاقد جديد حول الجدوى من العيش ومآلاته، وهذا يعني أنّنا فشلنا في التعاقد وبرهنّا بأنّ تلك الطبيعة الخيّرة التي تسكن بين ضلوعنا غير كافية للوقوف أمام الانفجار الأعظم.

هل هي دعوة لليأس؟.. كلّا، فوراء كلّ خطاب رجاء وأمل، نحن على حافّة السقوط الكوني، ولكي ننهض علينا أن ننظر مباشرة “لنجد”، أي أن ننظر بحرّية، ليس حرّية: «جد تنظر» بل حرية «انظر تجد» أي النظر بثقة في الوجود، الوجود المحض والمُحَسّ، عملية يتعين أن تحدث كل يوم في حياة الكائن، تحديث برنامجه وملامسة البداهة والإنصات إلى الحدس: النقطة التي تبقى حين نفقد كل شيء.

كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed