آخر تحديث: 2020-08-05 13:22:35
شريط الأخبار

حصار

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

انهمرت القذائفُ فجأةً في ضحى النهار، وبدا أنّهم يريدون تعويضَ ما فاتهم من تدمير البيوت وتهجير أهلها، لأنّ عصفَ التفجيرات المتسلسل أرسل آلاف الشّظايا من الجدران المصابة والسّقوف المتهاوية وصرخات المفزوعين الهاربين من مداخل البيوت! رنّ هاتفي، فذهب إليه بصري على الفور، لأنّ السَّمْع لا يعمل قبل إعمال البصرعلى هذه الأجهزة! كان المتحدّث أحدَ رجال الدّفاع الوطنيّ الذين يقفون على بُعْد عدّة أمتار مني، وأراهم كلَّ لحظة عبر نافذة منزلي! قال على عجل:-غادري البيت فوراً، فقد يشتدُّ سعارُهم ويتقدمون فلا نستطيع إسعافك كما فعلنا قبل دقائق مع أبي فلان! كان الوقت ضيقاً جداً، ربّما بمقدار ما يفصل قذيفتين.. أخذت هاتفي الجوّال ومفتاح بيتي وحقيبة يدي التي فيها الهوية وبطاقة الصرّاف بحكم العادة وغادرت على الفور، ثمّ ما لبثتُ أن توقّفتُ قبل أن أغادر عتبةَ البناء، بطلب من عنصر الدّفاع الوطني: انتظري. لا تخرجي قبل معاودة الاتصال لأن الممرّ معرّض للقنص وغير آمن! عدتُ أدراجي إلى البيت وحين اكتشفتُ أن وقتاً أُتيح لي، سارعتُ إلى تبديل ملابسي المنزليّة وأخذت أوراق ملكيّة المنزل وأعددتُ حقيبة صغيرة فيها ما يأخذه المسافر حين يغيب عن بيته أسبوعاً. ولحظة انتهيت ولم يدْعُني الهاتف إلى الخروج، خطرت ببالي قهوة وداع! ِلمَ لا؟ إنّه وطني الصّغير الآمن الذي عشت فيه عشرين عاماً ولم يخطر لي في أسوأ الكوابيس أن أغادره بهذه الطريقة! ذهبت إلى المطبخ ووضعت ركوة القهوة على النّار والمجرمون يواصلون محاولة التّقدّم إلى بيوتنا بكل وسائلهم، وما إن فرغ فنجاني الثّاني حتى رنَّ الهاتف: انزلي على الفور…
سأبقى أتذكّر كيف نواجه الضروريّات في لحظات استحقاقها لأنّها هي من يقبل إلينا ولسنا من يذهب إليها، كأنّها تعفينا من تبديد الوقت في التفكير والمفاضلة والموازنة، فبعد المفتاح، كانت الهويّة ثم جاءت تفاصيل أخرى متتابعة في أهمّيتها أو ضرورتها!
في الحصار الفاجر، الجائر، الذي فرضوه علينا بلداً وشعباً، كان الأسوأ هو نحيبَ بعضهم لكأنّهم كُبّلوا بأصفادٍ ووُضعوا على فوالق عميقة حيث يلمع ماءٌ لا تطوله الشفاه وتدنو ثمارٌ لا تصل إليها الأيدي، كأنّ الذُّعرَ ساوى بين الضّرورة والتّرف ،وزمن قاسٍ وآخر رخيّ بينما ساقتني المصادفة إلى المرور بإحدى قرانا الصّغيرة حيث رأيت مكاناً كأنّه يرسم بأهله سياقاً اجتماعيّاً تاريخيّاً جديداً! عاد فيه النّاس إلى الزّرع والحرث والرّعي والاكتفاء!

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed