آخر تحديث: 2020-07-12 12:27:22
شريط الأخبار

«أولاد آدم» لليث حجو.. دراما الضحية ونقيضها

التصنيفات: ثقافة وفن

منذ الحلقة الأولى يرصد مسلسل «أولاد آدم»، (كتابة سيناريو وحوار «رامي كوسا»، إخراج «الليث حجو»، وإنتاج «إيغيل فيلم»)، خيط الدَّم الممتد من رحم «القاضية ديما.. ماغي بوغصن»، إلى زند «الراقصة.. دانييلا رحمة»، مروراً بدم الطفل على قميص الإعلامي «غسان.. مكسيم خليل»، بسبب حادث سيارة زوجته القاضية، وأيضاً الدماء على وجه «غسان»، وفخذ «العسكري في سجن النساء.. طلال الجردي»، وجسد «السجينة.. ندى أبو فرحات»، وبجانب رأس الفتاة القاصر المنتحرة… لكنه يصور ذلك الخيط على أنه امتداد لجريمة البشرية الأولى، وبخصوصية في الطرح تجعل كل واحدة من شخصيات العمل بمثابة «قابيل» و«هابيل» في الوقت ذاته، فالجميع قتلة ومقتولين، ليس بحكم الغيرة كما تروي الميثولوجيا الدينية، بل بسبب الظروف الحياتية، والحرمات بأشكاله المختلفة، والخضوع لمزاج الغابة، والنصر الذي يُلازم الأقوى، والأقدر على فهم معادلة الحياة بكامل وحشيتها ولا عدالتها، أَوَلسنا جميعاً أولاد القاتل «قابيل» شئنا أم أبينا، وبتخفيف لوطأة الواقع، ولإزاحة هذه التهمة الأزلية عنّا نقول إننا «أولاد آدم»؟
وفق هذه التيمة يبني «كوسا» جميع شخصياته، مُعززاً قُدْرتها على حمل التناقض في ثناياها، حيث لا تُنكر تاريخها الإنساني، وجذور الجريمة الأولى في تجلياتها المعاصرة، لكنها تسعى ما استطاعت لتدوير زواياها، ومحاولة العودة إلى الجنة التي طردت منها، ولو بالاحتيال على الواقع، وملاءمة فضاءاته في سبيل ذلك. فالقاضية ديما تحلم بالأمومة المفتقدة عندها، والإعلامي غسان بمزيد من الشهرة والسطوة وإشباع الأنا المريضة، واللص «سعد.. قيس الشيخ نجيب» يتوق إلى كمية أكبر من أدرينالين المغامرة، والدركي بسام إلى الكسب أكثر، والراقصة مايا إلى دفء العائلة… والجميل في تلك الشخصيات هو الانزياح عن النمطية في بنائها، وتكثيف مكنونات الخير والشر في كل منها، حيث ينشأ صراعها مع واقعها، من ذاتها بدايةً، ثم ينتقل إلى صدامها مع بقية الشخصيات وفق تسلسل محكم للأحداث، وتصعيد درامي متواتر ضمن حبكة متينة، وبجمالية في بناء الحوارات بينها، لولا توحيد «كوسا» غير المبرر لمنطق تلك الشخوص في التعبير عن ذاتها، حيث أن جميعها تنطق بالحِكَم والأمثال، الأمر الذي قد نفهمه لو جاء مرة أو بضع مرات قليلة على لسان الإعلامي أو القاضية مثلاً، أما أن يصدر عن الجميع فهذا بعيد عن منطق بناء لغة الكلام الخاص بكل شخصية، ويمس بمصداقية اللحم والدم المكونين لها، لاسيما مع عدم ترك المجال لحرية الشخصيات في التعبير عن نفسها، من دون أن نشعر بأن الكاتب يحشر أنفه في أنفاسها. وإذا تغاضينا عن ذلك فإن عوالمها النفسية كانت مشغولة بعناية، وبتكثيف درامي عالٍ، لاسيما شخصية «غسان» الذي يعاني من «سايكو باث» يجعله يواري خلف دماثته ودبلوماسيته وجماله وحشاً لا يتوانى عن افتراس ضحاياه بعيداً عن أي التزام أخلاقي، فهو يشعر كما لو أنه محور الكون، فيبرر ساديته واقتناصه لأي فرصة في سبيل إرواء غروره، وأيضاً شخصية «سعد» التي رسمت قوانينها الدقيقة، ووفقاً لها تخرج دائماً عن القانون، وغير ذلك من كاريكتيرات متناقضة، فإلى جانب المرتشي النبيل، واللص الشهم، هناك «خليل.. مجدي مشموشي» مُروِّج المخدرات الكريم، والقاضية التي تستر عورة العدالة بالعطاء المادي، وفتاة الهوى الرؤوم، والقاتلة الحنون،… والتي استطاعت كاميرا «الليث حجو» أن تلتقط بحساسيتها المعهودة تلك التناقضات وتعكسها بحيوية عالية، مع سينوغرافيا تأسر كل الشخصيات في أماكن تغلب عليها الإضاءة ذات اللون الأخضر المجاور للأصفر، على اختلاف المستوى الاجتماعي لها، لتُعطي إحساس الغابة، إذ إن واقعية العمل لا تستوي من دون التأكيد على مكان الجريمة الأولى، والممتدة في الزمن، لدرجة تتوحد الفضاءات المكانية بمزاج إضاءة واحد، يتمايز مع مقادير الدَّم المسفوكة واقعياً ومجازياً، مثلها مثل موسيقى «إياد الريماوي» التي تختزن دراماها الخاصة، وتنتشر مرة على خلفية المشهد، وأخرى تُمهِّد له وتستحث الفعل فيه، وكأنها تنجدل مع رؤية «حجو» الذي دوزن انفعالات الممثلين وفق المواقف الدرامية المختلفة، وأبرز صراعات بقائهم من وجهة نظر كل شخصية جسدوها على اعتبارها الجاني والضحية في الوقت ذاته، في مرافعتها أمام ظلم الواقع وارتكاسات حاجاتها النفسية والجسدية، وكنا سنؤكد صوابية جميع خياراته من الممثلين لولا «ماغي بو غصن» التي جاءت انفعالاتها شبه موحدة، على اختلاف التوترات الدرامية التي شهدها خط شخصيتها، ما جعل التقاطات أحزانها وبهجة أفراحها وانكساراتها…

عصيةً على التصديق، بعكس «مكسيم» الذي أبدع في التلوُّن الأدائي ضمن اعتلالاته النفسية المختلفة، و«قيس» الذي وازن بين رؤية «سعد» للعالم بعين واحدة، مع بصيرة قلبه، ومزجهما بعفوية وخفة دم، و«دانييلا» التي تحررت من ذاتها ومن سذاجة أداءاتها السابقة، و«طلال الجردي» بتجسيده الموزون على إيقاع العاطفة،… ما جعل خلق التعاطف مع تلك الشخصيات وأزماتها هيِّناً، والاندغام مع خصالها الأخلاقية، على تناقضاتها، ليس صعباً، مثلها مثل السلاسة في بناء كل حلقة، وترك المشاهد مشدوداً لمتابعة المسلسل إلى آخر حلقة، حيث تم إيقاف خيط الدَّم الناظم لها جميعاً، وتضميد جراحات الشخصيات بنهايات لائقة بـ«أولاد آدم» الذين ما إن اعترفوا بخطاياهم وأخطائهم حتى كُتِبَ لهم الخلاص المبدئي، رغم إيمانهم بأن ميزان العدالة مُعطَّل، وحمامة السلام مذبوحة منذ الأزل.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed