«إن لم تكن معنا فأنت ضدنا»، تختصر هذه الجملة السياسة الأمريكية المتعجرفة تجاه دول أمريكا الجنوبية التي لا تدور في فلكها، فالفكر الثوري الذي حمله الثائر سيمون بوليفار محرر دول أمريكا الجنوبية من الاحتلال الإسباني، والقائد الكوبي المناضل فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الثوري هوغو تشافيز والمناضل الأرجنتيني تشي غيفارا، سيبقى شوكة في حلق واشنطن مدى الحياة، شوكة لن تنجح الولايات المتحدة باقتلاعها مهما حاكت من مؤامرات للإطاحة بقادة دول أمريكا الجنوبية، فالإرث الثوري الجنوبي العظيم كاف للحفاظ على الثورة بوجه إمبريالية الولايات المتحدة.
تمر الأحداث في أمريكا اللاتينية بسرعة فتسقط حكومات ورؤساء، وتُدبر انقلابات لإسقاط الأنظمة المنتخبة، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغذية هذه الاضطرابات واقتناص الفرص، لفرض هيمنتها وسياساتها على الدول التي تتبع سياسات معادية لأمريكا وحليفتها الصهيونية.
وبعد نشر فوضاها «الخلاقة» في الوطن العربي يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تبحث عن منطقة جديدة لتضرم فيها نيران الحرب والفوضى، وخاصة بعد أن فشلت مهمتها في الشرق الأوسط، ووقع الخيار الأمريكي الثاني بعد الوطن العربي على أمريكا اللاتينية، التي ترفض دائماً هيمنة الولايات المتحدة، وتسعى إلى الاستقلال بقرارها عن واشنطن، في ظل حكومات يسارية تسير في هذا الاتجاه، فاختارت الولايات المتحدة أن تكثف جهودها لـ «إسقاط» هذه الحكومات، لتحل محلها حكومات يمينية أكثر موالاة لها.
اليسار الديمقراطي يؤرق واشنطن
ففي نهاية 2013 وبداية الأشهر الستة الأولى من العام 2014، شهدت أمريكا الجنوبية 4 انتخابات رئاسية، فاز التيار اليساري في 3 منها، أولها بوليفيا بفوز إيفو موراليس، والبرازيل بفوز ديلما روسيف، وأوروغواي بفوز تاباريه باثكييث، وفي نهاية العام أجرت تشيلي انتخاباتها و فازت فيها الرئيسة السابقة وممثلة تيار اليسار الوسط ميشيل باتشيليت، كما جرت انتخابات الإكوادور وفاز فيها الرئيس اليساري رافييل كوريا، بينما فاز مرشح يمين الوسط بكولومبيا خوان سانتوس، لترتسم القارة بملامح هيمنة اليسار ويسار الوسط، فيما عدا كولومبيا التي خرجت عن القاعدة اليسارية، الأمر الذي شكّل قلقاً كبيراً للولايات المتحدة الأمريكية من سيطرة اليسار على المنطقة اللاتينية.
فنزويلا تنزع فتيل مخطط أمريكي للإطاحة بمادورو
وفي فنزويلا كان الإرث التشافيزي ثميناً فالثورة الحمراء التي قادها الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز حفظت فنزويلا حتى بعد موته، وتشافيز مزيج  فنزويلي من الماركسية وأفكار محرر أمريكا اللاتينية سيمون بوليفار، وسياسي كان يحلم ببناء الاشتراكية الجديدة للقرن الحادي والعشرين، وسياسته لا تناسب واشنطن التي حاربت أفكاره حتى بعد موته.
وكعادته في التدخل السافر في الشؤون الداخلية للبلدان ذات السيادة طالب نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، الحكومة الفنزويلية بضرورة إجراء استفتاء على إلغاء ولاية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وعدم تجاهل ما وصفه بأصوات الشعب الفنزويلي الذي ينادي جزء منه بذلك، بينما ينادي جزء آخر بعكس ذلك، وفي رأي بايدن يجب أن يكون هناك استفتاء قبل نهاية العام الجاري، احتراماً للدستور الفنزويلي حسب زعمه.
الحكومة الفنزويلية وفي إطار سعيها الحثيث لاستيعاب المؤامرة الأمريكية أعلنت أنها أحبطت مخططاً لتنفيذ انقلاب، بينما تسعى المعارضة بدعم من واشنطن لمواصلة الضغط على الحكومة، وبعد التحريض الأمريكي أعلنت المعارضة عن تظاهرات في العاصمة كاراكاس، للمطالبة بتسريع آلية الاستفتاء على عزل  الرئيس مادورو.
وبينما يحاول تحالف الوحدة الديمقراطي المعارض إعلان جدول تحركات مؤيديه، جمعت الحكومة دبلوماسيين أجانب لتريهم كيف دلل اعتقال العديد من الناشطين وضبط أسلحة على أن هناك خططاً للإطاحة بمادورو بالقوة، حيث قال وزير الداخلية نستور ريفيرول للدبلوماسيين الأجانب: أحبطنا الانقلاب الذي كان مخططاً، وأدى اعتقال نشطاء في المعارضة هذا الأسبوع لضبط أسلحة ومتفجرات في معسكر مؤقت، يبعد بضعة كيلومترات عن القصر الرئاسي.
الرد على تحريض واشنطن، جاء من الشعب الفنزويلي حيث تظاهر أنصار الرئيس الفنزويلي مادورو، دفاعاً عن الثورة، وقال المسؤول الثاني في فنزويلا ديوسدادو كابيلو محوطاً بمتظاهرين يرتدون الأحمر وهو لون المعسكر التشافي المؤيد للحكومة: لا تستفزونا، لأننا سنقوم بسد الطرق المؤدية إلى كراكاس من أجل منع أحد من الدخول إليها أو الخروج منها.
وتشهد فنزويلا أزمة اقتصادية خطرة من جراء هبوط أسعار النفط الذي يشكل مصدر الدخل الرئيس لهذا البلد وتترافق الأزمة مع نقص حاد يشمل 80% من المواد الغذائية والأدوية، وبموازاة ذلك، يعاني البلد أزمة سياسية منذ انتصار المعارضين للحركة التشافية في الانتخابات التشريعية في نهاية 2015.
روسيف أيقونة برازيلية بوجه إمبريالية واشنطن
وتحيك الولايات المتحدة المؤامرات لتجعل مصير الرئيس الفنزويلي مادورو ، يشبه مصير رئيسة البرازيل ديلما روسيف، وخاصة أن الدولتين حليفتان، وتتبعان السياسيات والاستراتيجيات نفسها تقريباً في العديد من القضايا الدولية والإقليمية، فرئيسة البرازيل منذ بداية فترة حكمها سعت إلى الخروج من الهيمنة الأمريكية، لتكوين اقتصاد مستقل عن الشركات الأمريكية، أوصلته إلى المرتبة السابعة على مستوى العالم.
وروسيف هي أول امرأة تنتخب في انتخابات حرة نزيهة جرت عام 2010، لتفوز خلالها بمنصب رئيسة الدولة الأكبر في أمريكا اللاتينية وخامس بلدان العالم من حيث عدد السكان، وسعت روسيف خلال فترة حكمها إلى الخروج عن الهيمنة الأمريكية وتكوين اقتصاد برازيلي مستقل عن الشركات الأمريكية، أوصلته إلى المرتبة السابعة على مستوى العالم، وذلك من خلال الدفع بنموذج اقتصادي اجتماعي سمح للبرازيل بتحقيق قفزة في نموها الإنتاجي بمشاركة اجتماعية، والدفاع عن مواردها الطبيعية، وتوفير فرص العمل، ومحاربة الفقر، وإخراج أكثر من 35 مليون برازيلي من حالة البؤس والفقر، حيث كانوا يعيشون ظروفاً غير إنسانية، ورفع مستوى دخل أربعين مليوناً آخرين، وتوسيع إطار فرص التعليم وجعلها في متناول أبناء الشعب، بما فيها قطاعات كانت مهمشة بشكل كبير.
ويرى مؤيدو حزب اليسار في أمريكا اللاتينية وفنزويلا على وجه التحديد، أن إنجازات الرئيسة البرازيلية داخلياً وكونها نسخة عن قادة أمريكا اللاتينية والعالم الشرفاء الرافضين للهيمنة الأمريكية، مثل هوغو تشافيز، وإيفو موراليس، ودانييل أورتيغا، جعلها محط أنظار القوى العالمية الطامعة في السيطرة على أمريكا اللاتينية، وعلى رأس هذه القوى تأتي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد أمريكا اللاتينية حديقتها الخلفية، وقد ساندها في هذه المهمة من الخارج حليفتها «إسرائيل»، ليتآمر الطرفان مع اليمين المتطرف من الداخل البرازيلي، وساهم ذلك إضافة إلى عوامل أخرى داخلية وربما خارجية في عزل الرئيسة روسيف.
ولم تقتصر إنجازات روسيف على الداخل البرازيلي، فقد جاءت مواقفها الإقليمية والدولية لتشكل نقطة خلاف مع القوى الغربية أيضاً، حيث عُرفت الرئيس البرازيلية المُقاله بمواقفها المُناصرة للقضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حيث اعترفت البرازيل بدولة فلسطين عام 2010، وكان السفير البرازيلي في الأمم المتحدة معارضاً شرساً للسياسيات الصهيونية في فلسطين، ولم تتردد روسيف لحظة في سحب سفيرها من «إسرائيل» احتجاجاً على جرائم الحرب التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الإسرائيلية ضد الفلسطينيين العزل في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة على القطاع في 2014، كما أن البرازيل ماطلت مدة أربعة أشهر في استقبال رئيس مجلس المستوطنات السابق، داني دايان كسفير إسرائيلي في البرازيل، بسبب موقف البرازيل من المستوطنات التي تعدها غير شرعية، الأمر الذي جعلها شوكة في حلق الحليفين الأمريكي والصهيوني، فسعيا إلى إزاحتها من المنطقة وتعيين نائبها ميشال تامر المتهم بالعمل مع المخابرات الأمريكية.
ولم يصمت الشعب البرازيلي على عزل روسيف التي تحظى بشعبية كبيرة بين البرازيليين، نظراً لكونها بعيدة عن أي شبهات فساد، فعلى مدار سنوات اعتلائها منصب رئيسة البلاد لم يوجه إلى روسيف أي اتهامات بمحاولة إثراء نفسها عبر الاختلاس أو الرشوة، وهناك تعاطف مع معاناتها في ظل الديكتاتورية، الأمر الذي دفع بالمئات من مؤيديها إلى الشوارع البرازيلية بعد إعلان قرار عزلها من جانب البرلمان، وهو القرار الذي قوبل برفض وغضب شديدين، حيث خرج متظاهرون برازيليون في عدة مدن، من ضمنها العاصمة وأغلقوا الطرق منددين بمحاكمة روسيف، وواجهت الشرطة هذه التظاهرات بالغاز المسيل للدموع، ورأى مؤيدو الرئيسة أن جلسة الدفاع كانت مجرد إجراء شكلي، إذ إن الحكم سياسي بامتياز.
وبعيداً عن الضجة الداخلية التي أحدثها عزل الرئيسة البرازيلية، وصلت الضجة إلى خارج ساو باولو، حيث سحبت وزارة الخارجية الفنزويلية سفيرها من البرازيل وقررت تجميد العلاقات مع البرازيل، وعدّت الخارجية الفنزويلية أن عزل روسيف جاء نتيجة تزييف غير شرعي لإرادة 54 مليون برازيلي، وانتهاك الدستور في البلد الشقيق.
وعلى خطا فنزويلا سارت بوليفيا وكوبا أيضاً، حيث أعلن رئيس بوليفيا، إيفو موراليس، أن بلاده تنوي سحب سفيرها من البرازيل، بسبب عزل روسيف، وكتب موراليس على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: إننا ندين الانقلاب البرلماني ضد الديمقراطية البرازيلية، ونقف إلى جانب ديلما والشعب البرازيلي في هذه اللحظة العصيبة، بينما عدت الحكومة الكوبية أن عزل روسيف من دون إظهار أي دليل على ارتكابها جناية فساد أو جرائم ومعها حزب العمال وغيره من القوى السياسية اليسارية الحليفة، يشكل عملاً مخالفاً لإرادة الشعب الذي انتخبها بملء إرادته، وأكدت كوبا على تضامنها مع الرئيسة روسيف وحزب العمال، وعبّرت عن ثقتها بأن الشعب البرازيلي سيدافع عن الإنجازات الاجتماعية التي حققها، وسيعارض بحزم السياسات النيو- ليبرالية التي يسعون لفرضها عليه كما سيمنع سلبه موارده الطبيعية.
هذه السياسات الخارجية لكل من فنزويلا والبرازيل والحكومات الأمريكية اليسارية لا تروق للولايات المتحدة، الأمر الذي يدفع الأخيرة إلى القيام بمحاولات مختلفة سراً وعلانية، للإطاحة بالحكومات المنتخبة ديمقراطياً، وهي محاولات تبدأ من تشجيع العنف وحتى الحملات الإعلامية التي ترعاها الاستخبارات الأمريكية والصهيونية.

print