آخر تحديث: 2020-07-05 08:33:29
شريط الأخبار

لماذا ترك أبو نواس بغداد عاصمة الرشيد وهاجر إلى مصر عام 814م .. ؟

التصنيفات: ثقافة وفن

ماذا كان يفعل أبو نواس في مصر في القرن الثامن- التاسع الميلادي، عدا زيارته لواليها (أبي نصر الخصيب) ونيل هباته؟ هذا ما لم يخبرنا أحد عنه، ثمة إشارة عرضية في إحدى قصائده:
تقـولُ التي عن بيتها
خفّ مـرْكبي
عزيزٌ علينا أن نَرَاكَ تَسيرُ
أما دونَ مصْرٍ للغنَى مُتَطَلّبٌ؟
بلى إنّ أسْـبـاب الهوى لكثـيـرُ
فـقلتُ لها: واستعـجلَتْـها بَـوَادِرٌ
جـرتْ، فجـرى في جرْيهِـنّ عبيــرُ:
ذريني أكثر حاسديكِ برِحْلَةٍ
إلى بـلَـدٍ فيـه الخصيـبُ أميــرُ …..
(أسباب الهوى لكثير)، لكن أيضاً في قصائد أخرى فرح غامر يتدفق نهر النيل، النيل ينعش ماؤه مصرَ ، والنيل مع جوده فيه التماسيح، وأنت الخصيب وهذه مصر، فتدفقا فكلاكما بحر، واحتفاله بخصوبة الأرض المصرية حيث يقول: (إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا)، وفي ديوانه إشارات لتردده على بعض الأديرة، وشربه الخمر على يد ساقيات قبطيات يقول:
هات من الراح فاسقنى الراحا
أما ترى الديك كيف قد صاحا
وقال أبو نواس مخاطباً أهل مصر، كما يقول الغيطاني: «إن دنياكم مستوية ولا حرّ لا برد عليكم, وأنتم تتصرفون في حوائجكم سائر نهاركم، في أوله وآخره وفي وسطه، وليس هذا لأحد غيركم».. وكان يقول: «يا سائلي كيف حالي؟ تنبيكه أشعاري، بمصر صرت غنياً عن سائر الأمصار، بها استقام طباعي وتم خلع عذاري»، ونحن نعرف أن عبارة «خلع عذاره» تعني ترك الحياء وركب هواه، فهل فعل أكثر مما كان يفعل في العراق؟ هذا ما تقوله الجملة بغموض، ودائماً دون تفاصيل، فما الذي منعه من إعلان مجونه المعروف؟ السبب في ظني أن مصر كانت دائماً بلداً يحترم التدين وتعلنه في ممارساتها، بالنسبة للمسلمين والأقباط على حدّ سواء، وهذا مشهود له حتى يومنا الحالي، وهذا ما فهمه (أبو نواس) دون شك.
إن ظهور شعراء مصريين على نمطه ونصوص إيروتيكية مصرية على شاكلة النصوص العباسية لم يحدث إلا بعد قرون من زيارة أبو نواس، ففي السابع من رجب سنة مئة وواحد وتسعين هجرية (تعادل سنة 806- 807م) انتهت إمارة (الخصيب) وبدأ أبو نواس يستعد للرحيل من مصر بعد سنة كاملة أمضاها فيها، لكن المصريين ذكروا في كتاباتهم أن أبو نواس قد هجاهم واتهمهم بالبخل وسفح الدماء، فنيلهم مليء بالتماسيح، يقول أبو نواس:
دَمُ المَكارمِ بالفُسطاطِ مسفوحُ
وَالجودُ قد ضاعَ فيها وهو مَطروحُ
يا أهل مصر لقد غبتُم بأجمعكُم
لمّا حوى قَصَبَ السَبقِ المَسابيحُ
أموالُكُم جمَّةٌ والبُخلُ عارِضُها
والنيلُ مع جودِهِ فيهِ التَماسيحُ
لولا ندى ابنِ جُوَيٍّ أَحمَدٍ نَطَقَت
منّي المفاصِلُ فيكُم وَالجواريحُ ….
هجرة الشعراء العراقيين إلى أصقاع الأرض قديمة، وقد أحبوا غالباً الأماكن الجميلة التي هاجروا إليها، والإشارات الصريعة التي بين أيدينا تبين أن (أبو نواس) تولّه بمصر كما فعل بعده الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي القائل حبه بكلمتين مضغوطتين ريف ونيل «ولي من نداك ريف ونيل» وكما نفعل جميعاً اليوم.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed