آخر تحديث: 2020-07-04 04:26:10

ما بعد كورونا.. الآثار النفسية للحجر الصحي

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

سيكون للحجر الصّحي آثار إيجابية باعتباره الحلّ الممكن في غياب لقاح فعّال، لكن ستكون له أيضا آثار نفسية – اجتماعية كبيرة، وسنواجه سيكولوجيا جماعية تحمل آثار «سيكولوجيا السجون» والـ«غيتوهات» والحجز والاغتراب وأخرى خاصة لا سابق لها.

كثيرة هي الأوضاع الجديدة التي يصعب استرجاعها بعد الحجر الصّحي، فالشّر عادة.. والخير عادة، لكن نتوقع أن لا تكون نتائج الحجر الصحي كلها صحّية على مستوى النّفس البشرية إذا لم تواكبها عناية مشدّدة وبرامج للتوجيه يتولاها مختصون، حيث لم يعد السياق يسمح بالتساهل في الخطاب الموجه للعموم كما تفعل بعض البرامج التي تقدّم وصفات سطحية وأخرى خطابات تناقضية لا تخدم الحقيقة ولا الرأي العام في موضوع الصّحة النفسية. بل أصبحنا مُطالبين اليوم بوصفات تتجاوز خطاب البرمجة العصبية اللغوية لصالح خطاب علمي متين، وسيكون من الخطأ المضيّ في الأساليب نفسها حول استهلاك من يخاطب الجمهور بناء على أساليب ما قبل كورونا.

أقول ذلك وأنا أتابع برنامجاً مُخْتَرقاً بشيء من الجهل واللعب بالألفاظ في زمن الجائحة، فالعلم ليس حرفة “حاطبي ليل”، والخطاب الروحي والنفسي هو أسمى من أن يُترك للأغبياء والباحثين عن الحظوة -تجار الأزمات الذين هم أخطر من كورونا نفسه- وخطاب التّملّق لا ينفع في الجائحة ولا يساهم في التنمية ولا في الاستقرار بل هو أداة للمزايدة والخداع والحروب والفتن. بل إنّ بعض الخطابات وبعض الوجوه السّيئة تساهم في تدمير المناعة، والإصابة بالاكتئاب لدى الجمهور، فضلاً عن أنها تقدم وصفات تافهة للمتلقّي. فهل ستكون وسائل الإعلام لاسيما المرئية وسيلة لمزيد من المرض؟

وتبقى الآثار النفسية للحجر الصحي رهينة بمستوى تفاعل الإنسان مع التغييرات الطارئة على حياته الشخصية وسلوكه وطقوسه اليومية أو تلك التي تتعلّق بالسيكولوجيا المجتمعية بعد أن تخلت عن معظم تفاصيل وسلوك الحياة الجماعية والتي شكّلت عاملاً مباشراً في ربط الأواصر وشدّ عصب المجتمع.

الحجر الصحي يضعنا أمام جملة من قواعد الوقاية والحذر لكنه لا يأبه أيضاً بآثار التخلّي عن العادات الاجتماعية. فالقرب والمصافحة والمعانقة والربت على الأكتاف والحديث المباشر هي رموز اجتماعية تساهم في منح معنى للاجتماع، وإن كانت رموزاً ليس إلاّ، لكنها ترسّخت في حياة المجتمعات واكتسبت قيمة اجتماعية ضرورية لا فكاك عنها، فهل يتعلق الأمر بتفكك اجتماعي قادم.. وهل سيكون مجتمع ما بعد كورونا مجتمعاً منعزلاً أو على الأقل حذراً يتحسس المسافات بين أفراده.. هل سينزع الإنسان إلى مزيد من الفردانية.. هل سيفقد الثقة في رموزه الاجتماعية؟

حتى الآن لا توجد برامج تواكب حالات الاكتئاب التي تجتاح المجتمعات، غير أنّ الحجر الصحي الطويل سيُفقد الإنسان الكثير من الأحاسيس النّبيلة، وكل ذلك رهين مستوى وقوة الشخصية، غير أننا حين نتحدث عن العموم فلا شيء مضمون على الصعيد النّفسي والاجتماعي.

إنّ قواعد تدبير المسافة سيكون لها تأثير على العلاقات الاجتماعية، فالمجتمع سيتحسّس الآخر أكثر، وسيكون الحذر لفترة ممتدة أخرى هو المتحكم في طبيعة العلاقات، وسيعاني المجتمع من حالة “الخصاء النّفسي”، كما سيستعيد ميله إلى “الاستذئاب والتّفرّد”، وسيفرز نوعاً من “العصاب الجماعي”.

إنّ وعي الإنسان بالفيروس تغيّر، وحتى مع نهاية جائحة كورونا سيظلّ الإنسان في حالة «فوبيا» دائمة وستنتج عن ذلك هلاوس ووساوس ستؤثّر على الحياة الخاصة والعامة للإنسان. ففي الحياة العادية يوجد أشخاص مصابون بالوسواس، ذلك لأنّهم ضحية تجربة غير سويّة مع الأشياء، وستكون هذه الحالة أوسع، فالخوف إن استمر على هذه الوتيرة فقد يصبح “فوبيا” عامة من المرض.

لا نتحدث هنا عن أمراض سيكولوجية تصيب الأفراد بل عن مرض اجتماعي يمكن أن نصنّفه ضمن علم النفس المرضي للجائحة.

لقد قضى كورونا على تلك الأساليب التي هي رموز اجتماعية أيضاً، وذلك في غياب بدائل حقيقية تتدارك تلك التفاصيل وتحلّ مشكلة الفجوة التي ستتركها عملية الحجر الصحي.

فلا شكّ أن الوقت لا زال مبكراً بعض الشيء لابتكار عوائد جديدة تشكل بدائل تملأ هذا الفراغ، لكن لا توجد برامج تثقيفية وتربوية تواكب الوضع من خلال برمجة بديلة وحلول “استعجالية” في إطار حماية الصحة النفسية واحتواء آثار الحجر الصحي على السيكولوجيا الجماعية.

كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed