آخر تحديث: 2020-07-04 04:26:10

كورونا و”العلاج بالصدمة”

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

في كتابها الشهير «عقيدة الصدمة» تتبع الكاتبة ناعومي كلاين سلسلة من التجارب التي أجريت في جامعة ميغيل الكندية في خمسينيات القرن العشرين، بتمويل من جهات استخبارية أميركية، بهدف تعديل سلوك المرضى النفسيين. هذه التجارب التي اشتملت على الحجز الانفرادي لفترات طويلة، والحرمان من النوم، والصدمات الكهربائية، كانت تهدف إلى محو الوعي القائم للمريض، وتهيئته لبناء وعي جديد. ورغم انكشاف أمر هذه التجارب التي سُخّرت لاحقاً لمصلحة جهات استخبارية، وإيقافها بشكل نهائي، إلا أنها شكلت الأساس لممارسات مستقبلية، لكنها هذه المرة لم تكن على مستوى الأفراد، بل المجتمعات، وبشكل خاص البنى الاقتصادية.

اشتهرت في هذا المجال مدرسة شيكاغو الاقتصادية، وأشهر أعلامها ميلتون فريدمان، الذي يعتبر مهندس انقلاب تشيلي ضد سلفادور أليندي، والذي شغل منصب مستشار للرئيس الأميركي الأسبق دونالد ريغان، ولرئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر أيضاً.

حسب كلاين، تؤدي الصدمة (طبيعية، عسكرية، اقتصادية) إلى اهتزاز ثقة الجماهير بنفسها وبالمجتمعات التي تعيش فيها. ويُصاب المواطنون بالشلل في ظل ما يتصورون أنه انسداد في الأفق، ويرتدّون إلى الداخل في محاولة لحماية أنفسهم، ويفقدون القدرة على المقاومة. هؤلاء المواطنون المرعوبون لا يجرؤون على المعارضة، فيصبح الطريق مفتوحاً للإيديولوجيا السائدة لإعادة إنتاج نفسها، تحت مسميات وشعارات جديدة، بموافقة الجماهير وتشجيعها بعد أن أنقذتهم من مصيرهم المحتوم.

هل سيتم استعمال أزمة وباء كورونا (صدمة طبيعية واقتصادية في آن) على سبيل العلاج «بالصدمة» لخلق شروط إيديولوجية “لحلول” أكثر ليبرالية؟

بعد صراع دام لسبعة عقود، اقتنعت الرأسمالية أنها “حققت نصراً مؤزراً” على الاشتراكية، وأنه رغم بقاء الاشتراكية “كفكرة تراود أحلام المُسْتَضعفين”، إلا أن الثورة الرقمية وضعت الرأسمالية في المقدمة، وخلقت فجوة لا يمكن للاشتراكية ردمها في المدى المنظور.

جاءت أزمة كورونا لتضع النظام الرأسمالي بمجمله أمام مجموعة من التحديات التي أقل ما يُقال عنها أنها تشكل تهديداً حقيقياً لا يمكن التغافل عنه.

التحدي الأول تمثل في فيروس كورونا الذي يحصد أرواح الآلاف، ويثبت كل يوم أن الدول الرأسمالية فشلت داخلياً في خلق مجتمعات منيعة اقتصادياً وصحياً. الخدمات الصحية تنهار، ويصبح الفقراء غير قادرين على الحصول على هذه الخدمات.. الاقتصاد ينهار، والبطالة ترتفع بشكل غير مسبوق.

التحدي الثاني يتمثل في “الطفرة” الصينية في مجال التقنية، كانت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تمر بمراحل تتراوح ما بين البرودة والسخونة في جميع الملفات، ما عدا المجال التقني. شكلت تقنية الجيل الخامس من الاتصالات التي كانت الصين تستعد لإطلاقها عبر شركة “هواوي” المركز الأكثر سخونة في هذه الحرب. جاءت أزمة كورونا لتمنح الصين فرصة للتقدم بسرعة في المجال التقني الذي استخدم بكثافة في التعامل مع المرضى وفي عمليات التعقيم وفي تقديم الحلول الرقمية لمشكلات العمل والتعليم. وعلى الرغم من الطفرة التي حققتها أسعار أسهم الشركات الغربية للتواصل عن بعد، مثل شركة “زووم”، “إي بيه”، و”أمازون”، إلا أن الصين حققت قصب السبق في الاستخدام العملي للتقنية. التحدي الحقيقي بالنسبة للغرب يكمن في محاولات ردم الفجوة بين الاقتصاد الصيني الصاعد، والاقتصادات الغربية، وتنامي القدرة الاقتصادية الصينية على الخروج من التبعية للسوق الرأسمالية.

التحدي الثالث، والأهم، هو عودة نموذج الدولة المركزية إلى الواجهة بقوة. فخلال ثلاثة عقود منذ انهيار المنظومة الاشتراكية، اعتقدت الرأسمالية أنها “تمكنت من هزيمة نموذج الدولة المركزية بشكل نهائي لا رجعة عنه”. لكن الواقع أثبت العكس تماماً، فمنذ مرحلة باكرة من انتشار الفيروس، غصّت وسائل الإعلام بصور المواطنين في الدول الغربية وهم ينهبون مراكز التسوق، وانتشرت أعمال الشغب، والاعتداءات العنصرية في أكثر من عاصمة غربية. في الوقت نفسه لم نشهد أحداثاً مماثلة في دول توصف بأنها “مركزية” مثل الصين، وإيران، وروسيا. لقد عكس هذا التباين ثقة المواطن بالدولة «المركزية» وغياب هذه الثقة في الدول الرأسمالية.

مع تقدم الجائحة، وانتقالها نحو الدول الغربية، ظهر التباين الواضح بين الخدمات التي تلقاها المواطن الصيني والإيراني والروسي مثلاً وتلك التي حصل عليها المواطن الغربي. ففي الحالة الأولى لم نشاهد المرضى من ضحايا كورونا مكدسين في الشوارع من دون إمكانية الحصول على علاج، لم نسمع عن نقص في الأجهزة الطبية، بل على العكس قدمت الصين وإيران وروسيا المساعدات الطبية إلى معظم دول العالم. هذا الأنموذج الناجح دفع الكثير من الدول إلى تبنيه، وخاصة الدول النامية التي كان انتشار الوباء سيؤدي إلى انهيارها بالكامل.

كمنت الأولوية بالنسبة للنظام الرأسمالي باستمرار السيطرة على المفاصل الاقتصادية، من خلال ما يُعرف “بالاقتصاد الرقمي”. هرعت الشركات والدول الرأسمالية إلى تجديد وتأسيس منصّات إلكترونية للتداول المالي، لبيع وشراء كل شيْ بغض النظر عن حجمه وقيمته، ومنصات للدفع الإلكتروني. هذه الأولوية لن تتحقق إلا بضخ الدم في الشريانين الرئيسيين للنظام الرأسمالي؛ وهما دورة سليمة لرأس المال، والنظام المصرفي السليم.

كلا الشريانين يعمل اليوم لإعادة إنتاج حلول جديدة أكثر ليبرالية لضمان استمرار السيطرة على السوق من خلال إعادة إنتاج الإيديولوجيا السائدة بحلة جديدة؛ الحُلّة الرقمية. المطلوب إلغاء الدولة بمفهومها المعاصر لصالح “الدولة الرقمية” بأن تخضع كل القطاعات الاقتصادية، بما فيها قطاعات الأعمال الصغيرة، لسيطرة الشركات والمؤسسات المالية الكبرى.

هذه الحلة الرقمية ستكون قادرة على معرفة مكان سكنك، أسماء أصدقائك وأرقام هواتفهم، طبيعة مشترياتك واهتماماتك، الكتب التي تقرؤها، والأماكن التي تزورها، وسوف تتجسس عليك، وتحرضك على التجسس على الآخرين. ستوفر هذه المعلومات ملفاً رقمياً عنك يُمكن بيعه لمن يهتم بك، ابتداء بمن ينتج ورق التواليت وحتى أعقد أجهزة المخابرات. بعبارة أخرى ستختفي الدولة، وتتحول أنت إلى مواطن رقمي، لا وجود له إلا من خلال استعماله لبطاقته الذكية.

هل سننجو من هذا المصير المحتوم؟

يقول التاريخ إن الصراع بين الإيديولوجيات السائدة، وتلك الجديدة حُسم في أغلب الأحيان لصالح الجديد الثوري. لكن هذه المعركة تزداد صعوبة بزيادة تعقيد أدواتها وتشعب ساحاتها.

في المعركة التي نخوضها اليوم ضد النظام الرأسمالي وأدواته، يبرز الصراع التقني في مركزها، لذلك فإن الخطوة الأولى تكمن في تأميم التقنية على صعيد الأوطان، بحيث تصبح الدولة المركزية هي المالك والمشغل الوحيد لكل التطبيقات التقنية. تنتقل الدولة بعدها إلى تنظيم قطاعات العمل غير المنظم، من خلال جمعيات مهنية تضم العاملين في كل مهنة بعينها. على الدولة المركزية تكثيف تدخلها في الأسواق وإلغاء دور الوسطاء بين المُنتج والمستهلك، وفي الوقت نفسه إلغاء الوكالات الحصرية للبضائع الأجنبية، وإعادة نظام الحماية الجمركية للبضائع الوطنية، وكلها خطوات يجب أن تقود في النهاية إلى تأميم العمليات التجارية والخدمات الأساسية داخل المجتمع (استيراد السلع الإستراتيجية، التكنولوجيا، المواصلات، التعليم، الصحة).

معركة ما بعد كورونا ستكون أكثر صعوبة «فالناجون من المصير المحتوم» يتعجّلون النتائج، والشوارع غير مرشحة للامتلاء بالمحتجين في المدى المنظور. الكادحون سيجدون أنفسهم في دوامة البحث عن لقمة العيش التي تحفظ لهم الحياة بمعناها الأولي.

كل هذا يضع على عاتق القوى الثورية عبئاً أكبر يتمثل في اجتراح وسائل جديدة للنضال تتجاوز الاحتجاج إلى الانخراط الفعلي واليومي في تفاصيل الحياة، واستخراج الإجابات من أسئلة الميدان.

كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed