آخر تحديث: 2020-07-04 04:26:10

مينيابوليس- فلويد .. العنصرية الأميركية في أوجها

التصنيفات: أهم الأخبار,السلايدر,دراسات,سياسة

على نار وبارود تنام وتصحو الولايات الأميركية.. والعالم القريب والبعيد يتفرج.. أكثره شامت، وأقله صامت، وهناك ما بين بين.
أي إن الجميع بالمجمل يتمنى علناً أو ضمناً أن يشرب النظام السياسي الأميركي من كأس العلقم نفسها التي يسقيها للجميع حول العالم، لا فرق عنده بين حليف وعدو.
من جريمة عنصرية جديدة ارتكبتها شرطة النظام الأميركي في 25 أيار الماضي في مدينة مينيابوليس- أكبر مدن ولاية مينيسوتا- انطلقت شرارة النار ولا زالت مشتعلة. ظاهرياً لا يبدو أنها ستخمد قريباً خصوصاً أنها تلقت زخماً من الداخل الأميركي، ومن عدة مدن وعواصم عالمية خرج آلاف المواطنين فيها إلى الشوارع دعماً للمحتجين على مقتل المواطن الأميركي من أصل إفريقي جورج فلويد خنقاً لمدة ثماني دقائق ونصف قضاها تحت ركبة شرطي أميركي أبيض صمَّ أذنيه عن كل توسلات فلويد ومناشداته.
فلويد ليس أول ضحايا الجرائم العنصرية في الولايات المتحدة ولن يكون آخرها، ففي السنوات العشر الماضية هزّت الولايات المتحدة سلسلة جرائم عنصرية بحق مواطنيها السود، لتعم الاحتجاجات والاضطرابات عدة أيام ثم تنتهي ويعود المحتجون (السود طبعاً) إلى بيوتهم، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى الشوارع احتجاجاً على جريمة عنصرية جديدة.. وهكذا.
ولكن لماذا فريق واسع من المراقبين يرى اختلافاً في الاحتجاجات الحالية حتى أن البعض وصل به الأمر للتنبؤ بـ «ثورة» وبـ«ربيع أميركي» وبـ«انقلاب».. وغيرها من المفردات.

باعتقادنا، هذه الاحتجاجات ستخمد كما سابقاتها وإن طالت هذه المرة أكثر، فإن إدارة ترامب لن توفر وسيلة لقمعها وبأكثر الطرق وحشية التي يعرفها المحتجون السود أنفسهم أكثر من غيرهم، كما يعرفها كل العالم، فالنظام الأميركي “يتباهى” بها ولا يأبه لمئات الشاشات والفضائيات التي تنقل مشاهد قمع المحتجين واعتقالهم، وبصور لا تقل تعذيباً ووحشية عما تعرض له فلويد.
بكل الأحوال لماذا هذه الاحتجاجات ستخمد كسابقاتها؟
أولاً، لأن إدارة ترامب ستستخدم كل الوسائل لقمعها من دون أن تخشى محاسبة ولا مساءلة لا داخلياً ولا أممياً. ففي نهاية المطاف النظام الحاكم في أميركا هو “نظام الرجل الأبيض”. لنلاحظ مثلاً كيف أن ترامب ومنافسه جو بايدن اتفقا لأول مرة على وصف الاحتجاجات “بالفوضوية واللصوصية” وأن “على المحتجين العودة إلى منازلهم”، رغم أن بايدن كان بإمكانه استغلالها ضد ترامب، وهو استغلها بالفعل ولكن ليس بالصورة المتوقعة، وفي حال كان بايدن في مكان ترامب فهو لن يتصرف بطريقة مختلفة عنه.
ثانياً، لأن الاحتجاجات مقتصرة في أغلبها على السود، صحيح أنها تلقت دعماً من بعض الأوساط ووسائل إعلامية أميركية إلا أنه دعم في حدّه الأدنى، حتى أنه لا يكاد يذكر، بدليل أن مساحة الاهتمام الإعلامي به شبه معدومة، لمصلحة التركيز على اتهام المحتجين بالقيام بأعمال تخريب، وبما يصب في النهابة في مصلحة ترامب وليس ضده.
ثالثاً، لأن المسألة في كل جريمة عنصرية، وفي كل احتجاجات تخرج بعدها، ليست في أن يتم اعتقال المجرم ومحاكمته وإدانته وتنتهي المسألة هكذا باعتبار أن “كل طرف أخذ حقه”.. المسألة عنصرية بحته قائمة على تاريخ كامل من الوحشية في التعامل مع السود، هذا التاريخ هو نهج وتربية وثقافة متوارثة، كيف لا والولايات المتحدة تأسست على “ثقافة” ما يسمى “تفوق العرق الأبيض” واسترقاق العرق الأسود بعد إبادة السكان الأصليين من الهنود الحمر.
هذا التأسيس مغروس في عقل الأميركي الأبيض الذي يرفض النظر إلى الأميركي الأسود إلا وفقاً لنظرية أنه تم استجلابه كعبد لخدمته.
رابعاً، إذا كان ترامب وصل إلى البيت الأبيض عبر أصوات العنصريين البيض وتبنيه لأجنداتهم فهذا يعني أن مقتل فلويد أو لنقل العنف العنصري ضد السود هو ضمن هذه الأجندة، فكيف يمكن لمقتل فلويد أن يتحول «ثورة» أو«ربيعاً» أو «انقلاباً»؟
لنذكر هنا أن انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة في العام 2009 اعتبر “ثورة وانقلاباً” بكل المقاييس وأن أميركا ما بعد أوباما لن تكون كما قبله، لكن أوباما قضى ولايتين رئاسيتين ثم غادر، ليكون البديل ترامب، وبما يمكن وضعه في خانة الرد على مثل هذه النظريات وبأن أميركا الرجل الأبيض ستبقى كذلك ولن تتغير وأن أوباما حالة طارئة فقط، وإن تكررت فهي لا تعني شيئاً.
خامساً، أين هم السياسيون الأميركيون من أصل أسود -السابقون منهم والحاليون- من جريمة قتل فلويد والجرائم العنصرية بالمجمل، باستثناء أوباما لم يعلو صوت فوق صوت تهديدات ترامب ووعيده للمحتجين، لم يُسمع على سبيل المثال صوت سوزان رايس أو كوندوليزا رايس، ولا كولن باول الذين كانوا يلقون على العالم محاضراتهم في الإنسانية وحقوق المواطنة، أين هم اليوم من حقوق مواطنيهم؟
سادساً، في عهد ترامب تخلت الولايات المتحدة عما يسمى حملات تحسين وتجميل صورتها في العالم عبر إظهار أن مواطنها هو «المواطن الذهبي» العالمي “لما يحظى به من حقوق وامتيازات”، ولكن وفي كل مرة كانت هذه الصورة تسقط تحت أقدام الرجل الأميركي الأبيض وجرائمه العنصرية.. ترامب لا يحبذ هذه الحملات، بل يعمل ضدها، ألا يبدو ترامب وكأن لديه ثأراً مع أوباما لمجرد أنه أسود وأن تلك الحملات منحته امتيازاً هو حكر على الرجل الأبيض.. لا يكف ترامب عن مهاجمة أوباما وكأن كل مصائب أميركا هو سببها بما فيها تفشي كورونا.
مع ترامب أميركا على حقيقتها.. عنصرية إجرامية تاريخاً وحاضراً. وهي لن تختلف مع جو بايدن في حال فاز في الانتخابات المقبلة في تشرين الثاني المقبل. استطلاعات الرأي تقول إن بايدن بات يتقدم على ترامب بعشر نقاط .. وليكن. ماذا يعني ذلك وما الفرق الذي سيشكله بالنسبة للأميركيين السود؟.
الفرق لن يشكله رئيس أميركي أبيض، ولا حتى أن يأتي رئيس أسود آخر، لأن أي رئيس أسود هو رهين قانون الأميركي الأبيض.

طباعة

التصنيفات: أهم الأخبار,السلايدر,دراسات,سياسة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed