آخر تحديث: 2020-07-08 10:45:11
شريط الأخبار

الشاعر شاكر مطلق يرحل إلى «شاطئ الأيام البعيدة»

التصنيفات: ثقافة وفن

لم يكن الشاعر د. شاكر مطلق (1938-2020) ينشغل كثيراً في حياته اليومية بفكرة الموت، وإن كانت لم تخلُ منها شواغل قصيدته منذ بدء تجربته الشعرية. فلم نكن نلمس في ملامح وجهه أي مشاعر وهو يحدثنا عن موت صديق له أو قريب، ولا في نبرة صوته، كان يتحدث عنه كمن يتحدث عن أي شيء يمكن لنا أن نفقده، على أنه إحدى المحطات التي يمر بها الإنسان، من دون أن يغفل عن أنها محطته الأخيرة. ولازمه هذا التفكير حتى وهو يدنو من هذه المحطة، كلما هاتفته في الأشهر الأخيرة قبل رحيله، لأطمئن عليه، فيردد «هل سنأخذ دورنا ودور غيرنا، هكذا هي الحياة، لكنّ الألم فوق الاحتمال». وكانت تلك الشكوى من الألم هي ما استجد عليه في الأيام الأخيرة من رحلة معاناته مرض السرطان لأكثر من سنتين. وكنّا سابقاً نستغرب طاقته على احتمال الآلام، وكيف درّب ذاته عليها، وفق ما روى لنا ذات يوم. وبخبر رحيله من بعد ظهيرة يوم الجمعة الماضي استفاق سؤال أول: لماذا نسيت يا صديقي أن تدرّبنا كيف سنحتمل خبر رحيلك وآلام فقداننا لك؟
خفايا الرحيل
لكنّ لرحيلك في شهر أيار سرّاً أعرف خفاياه، إذ أصررت على أن يكون في الشهر ذاته الذي رحل فيه العام المنصرم صديقك الشاعر ممدوح السكاف، هذا الصديق الذي شهدت لمرتين متباعدتين كيف يحتفي بعيد ميلادك كل عام من دون أن ينساه، ولم تكن وسائل تواصل اجتماعي تُذكِّر بها، كان يحضر لعيادتك مزدهياً بباقة ورد يقدمها لك، يحضنك، فتقبلان بعضكما وتضحكان، فأقترب وأحضنكما معاً لأحتفظ بدفء اللحظة من إنسانين يعلّماني الصداقة والحب قبل الشعر. وفي ضوء هذه الذكرى أرجو أن تسامحني لعدم مشاركتي في تشييعك كما هي عادتي في الدفاع عن نفسي لأبقي أحبتي الذين يغادرون أحياء معي.

احتفال خاص
وبسبب الحرب انقطع لقاؤنا الأسبوعي في عيادتك، التي كانت مكتباً ثقافياً يلتقي فيه الكثير من المبدعين نقاداً وشعراء ومفكرين وفنانين تشكيليين وموسيقيين ومترجمين. وفيها كنت تقيم احتفالك الخاص باليوم العالمي للشعر، ووحدك تفرّدت بتحية خاصة قبل إلقاء ما قررت المساهمة به في أمسية أو مهرجان، إذ حافظت منذ سنوات بعيدة على تحديد زمن للإلقاء نادراً ما تجاوزته، فتخلع ساعتك وتشغّل زمنها الرياضي وتبدأ بالقول «أحيّكم تحية الشعر الخالد» ثم تمضي بالإلقاء. فكنت متفرداً بين الشعراء في المسألتين، وبعضهم وإن كان يغار منك بسببها لكنه يثمّنها لك حيث نلتقي في عيادتك، شعراء من حمص ومن بقية المحافظات ومن بعض الأقطار العربية الذين كانوا يشاركون في مهرجان الشعر العربي لرابطة الخريجين الجامعيين. كما كانت العيادة مكتباً لـ “دار الذاكرة” التي أسستها فأصدرت عنها سلاسل عدة: أدبية وفلسفية وتراثية وعلمية وأدب أطفال. ولم تتعامل مع أحد بمنطق تجاري، وكنت تحرص على توقيع عقود، وفق الأصول لتحمي لنا حقوقنا، بخاصة من احتضنته منّا كشعراء شباب في تلك الفترة، ولئن لم يكتب للدار الاستمرار والتوزيع اللذان تستحقهما منشوراتها كما يجب، لكننا كنا نجد تعزيتنا بأننا نشرنا إلى جانب أسماء شعراء كبار، محمد عمران، مصطفى خضر، وأنت.

عشق الأسطورة الرافدية
لقد بدأت تجربة الشاعر الراحل شاكر مطلق بالعطاء منذ عام 1957 حين أصدر مجموعته الأولى «نبأ جديد» التي نشرها وهو ما زال طالباً في المرحلة الثانوية، ثم سافر إلى ألمانيا ودرس طب العيون وجراحتها، وبعد أن عاد للوطن أصدر عام 1985 مجموعته الثانية «معلقة جلجامش على أبواب أوروك» وفي عام 1988 أصدر «تجليات عشتار» وفي 1990 أصدر «زمن الحلم الأول» وفي 1993 أصدر «ذاكرة القصب» وفي 1997 أصدر «يا أبانا / يا أبانا- مكاشفات العارف» ومجموعة «تجليات الثور البري»، ثم «هكذا نتكلم يا زرادشت» بمقدمة للمفكر الراحل د.طيب تيزيني، وآخر ما صدر له «خطيئة المقدس.. وردة الجحيم» عن اتحاد الكتّاب العرب. وبين هذه المجموعات أصدر عدة كتب مترجمة عن الألمانية اختصت بالشعر الياباني والصيني والألماني، منها «لا تبح بسرّك للريح»، و«على شاطىء الأيام البعيدة» و«درب الكشف». وكتب اهتمت بقضايا طب العيون.
ومن أهم ما يميز مجموعاته الشعرية اهتمامها بالأسطورة الرافدية حصراً. وقليلة جداً هي المرات التي خرج فيها عن إطار الأسطورة الرافدية في كتاباته، وذلك في مجموعته «زمن الحلم الأول» فهي مستوحاة من مناخات الأسطورة الأسترالية البدائية. كما تميزت معظم القصائد التي كتبها خلال تجربته بقصيدة الومضة. وكان من أوائل من ترجم وتحدّث عن قصيدة الهايكو، رغم محاولة البعض تنحية اسمه عن دراساتهم ومقالاتهم.
حمص وغيابك!
وبعد، لن تهدأ الذكريات التي نسجت معك ولن نسمع «آخسو» مرة ثانية وأنت تعتذر بالألمانية على أي هفوة أو كعتاب لذاتك إن نسيت ما طلبه منك أحد الأصدقاء. ولن نلتقي بك ولو مصادفة في مكتب اتحاد الكتّاب العرب، أو نردد على مسمعك تنبيهات السيدة زوجتك عندما نسافر برفقتك «ألا تسرع بالقيادة»، لكن من دون فائدة، فثمة ساعة توقفت على منبر الحياة وأشارت عقاربها لتمضي بك إلى «شاطئ الأيام البعيدة» بحثاً عن إجابات لأسئلة الوجود التي حفلت بها قصائدك. وحتماً لا دواء لما أصاب روحنا من رضٍّ بسبب غيابك، لكن ماذا عن حمص؟ التي مضى صديقنا المحب الشاعر اللبناني شوقي بزيع يقول عنك وعنها يوم رحيلك: «من أصدق الناس الذين عرفتهم وأقربهم إلى روح الشعر، وأحبهم إلى قلبي. لن تكون حمص بعد شاكر مطلق ما كانته من قبل. هذا الشاعر من طراز نادر على المستوى الإنساني، وقد قلّ أن اجتمعت مزاياه في رجل آخر».

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed