آخر تحديث: 2020-09-30 17:52:35

(تشرين) ترصد استعدادات سكان الحسكة للعـيد: (الكليجة) الضيافة المميزة التي لايوجد عيد من دونها في المحافظة

التصنيفات: أهم الأخبار,السلايدر,محليات

رغم الظروف الاقتصادية الصعبة والغلاء الفاحش، تنبعث هذه الأيام رائحة (الكليجة) ذات النكهة الرائعة من أغلب بيوت محافظة الحسكة. فهي نوع من المعجنات أو الحلويات التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعيد لدى سكان المحافظة، وهي عادة وتقليد اجتماعي لم تتأثر على مر السنين، حيث يعتبر أبناء الحسكة طبق (الكليجة) مع الشاي هو أفضل تحية لضيوف العيد.
وقد عـُرفـت (الكليجة) كواحدة من أفضل وأشهر المعجنات والبسكويت في منطقة الجزيرة السورية بشكل عام وحتى الفرات، ومحافظة الحسكة بشكل خاص، ومن أقدمها على الإطلاق. واستطاعت المرأة الجزرية _أو (الجزراوية) كما يحلو لأهل المنطقة أن يلفظوها ــ طوال الفترة الماضية أن تحافظ على جودتها وتحفظ سر خلطتها حتى أوصلتها إلى موائد الأثرياء والملوك والبيوت الكبيرة.
وتروي السيدة يازي الجاسم (70 عاماً) أنها في السنوات البعيدة كانت تصنع الكليجة من الطحين الأسمر الذي تطحنه في المطحنة الحجرية الموجودة في الحي للمونة من أجل الخبز، وكانت تحشي بعضها بالتمر، أما الآن فالجيل الجديد من النساء يحترن أي نوع من الطحين يخترن.
وتضيف : عادة يتم عمل عدة صوانٍ من (الكليجة)، من أجل تلبية جميع أذواق أفراد الأسرة، فمنهم من يرغب بالكليجة المحشوة بالجوز أو التمر أو الفستق ومنهم من يفضلها خالية من الحشوة وهذه تسمى كليجة عادية. ويـُعـتـبَر عمل (الكليجة) فن بحد ذاته توارثته نساء الحسكة من جيل إلى جيل، فقد تعلمن من أمهاتهن عجن (الكليجة) بالسمن النباتي أو الحيواني لتبقى طرية مدة من الزمن، وعدم عجنها بالزيت السائل لأنها ستكون قاسية بعد أن تـُخـبـَز. ورغم وجود قوالب خاصة لعمل (الكليجة)، فإنهن يفضلن صنعها يدوياً، وذلك بطي طرفي العجينة على نفسها بعد حشوها وعمل ما يسمى ضفيرة. وجرت العادة أن يتعاون الجيران في صنعها، ما يساهم في تعميق الروابط الاجتماعية بينهم. وعلى الرغم من أن المواد الداخلة في صنع (الكليجة) بسيطة، فإنها لم تسلم من الارتفاع الحاد في الأسعار الذي طال كل شيء في الحسكة. ومع ذلك ما أجمل صراخ الأطفال وتشاجرهم فيما بينهم، عند صنع صينية (الكليجة)، التي يحبها الناس وينتظرونها في كل عيد. فرغم غلاء الأسعار فإن الحسكيين لا يستطيعون التخلي عن عاداتهم التي توارثوها عن أهلهم، وأهم شيء (الكليجة).
وتؤكد أن الموسرين في القرى والأرياف يستخدمون السمن العربي في صنع (الكليجة). غير أن الكثير من النساء هناك
ما زلن يستخدمن الشحم الحيواني المذاب والذي يسمى (الودج)، بدلاً من السمن العربي أو السمن المُصَنـّع، نباتياً كان أم حيوانياً. وبالتالي فإن الكليجة الجزراوية الريفية لم تدخلها المواد المضافة والحافظة أو الملونات ولا الخميرة الصناعية ولا الزيوت الصناعية، والتي يصر أبناء الريف على أنها مسخت الكليجة الأصلية والحقيقية.
وعن طريقة صنع الكليجة تتحدث خبيرة التغذية الشيف آلاء بقولها: يـُضاف لكل كيلو طحين في الكليجة الجزراوية 600 غرام سمنة، و4 كاسات سكر الذي يمكن أن يُستبدل بالسكرين لمرضى السكري بالكمية نفسها، إلى جانب توابل (الكليجة) المعروفة والمكونة من القرفة والزنجبيل والهيل وحبة البركة والمحلب والشمرا، وهي تباع جاهزة في البقاليات ومحلات السمانة وتسمى حوايج أو عدة (الكليجة)، و100 غرام خميرة، و4 كاسات ماء فاتر وربع كأس من الزيت. حيث تـُمـزَج جميع هذه المكونات باستثناء الزيت في وعاء عميق وواسع، وتـُعجن حتى تصبح العجينة لينة، ثم يـُضاف الزيت، ويـُغـطى العجين ويـُتـرك حتى يختمر، ثم يـُقـَطـّع ويـُشرَع بصنع (الكليجة) حسب القالب المطلوب، كعكات أو أقراصاً أو قطعاً مستطيلة … إلخ. ويمكن أن تـُحـشـى (الكليجة) بالتمر أو لا تـُحـشـى. وتـترك لفترة في الصينية حتى تستريح وتخمر أكثر، وبعد أن يُدهـَن وجهها العلوي بصفار البيض تـُخـبـَز في فرن على درجة حرارة 225 مئوية، ثم تترك حتى تبرد وتقدم مع الشاي.
وتصف القرص الجميل من (الكليجة) بأنه يمتاز بكونه وجبة غذائية متكاملة، وبقابلية التخزين والبقاء في أي ظروف، لمدة تصل إلى ستة أشهر من دون أن تتغيّر أو تتأثر مكوناته وعناصره. ولهذا كانت (الكليجة) وجبة المحاربين في الطوارئ والغزوات، وزاد قوافل المسافرين والحجاج، مثلما هي طعام الكادحين وهدايا الموسرين والملوك. وتبيـّن أن تصنيع (الكليجة) كان حكراً على النساء (الجزراويات) من مختلف الشرائح، حتى أواخر التسعينيات عندما فكر بعض التجار بإنتاجها بكميات تجارية كبيرة. إلا أنه لا يزال هناك الكثير من الأهالي والسكان يفضلون تصنيع (الكليجة) في بيوتهم، حيث تقوم النساء حتى الآن بتصنيعها بمهارة فائقة، وذلك لقناعتهم أن (الكليجة) المنزلية هي الأكثر جودة، وهي (الكليجة) الحقيقية بحشواتها المعروفة.

وتؤكد أن (الكليجة) لا تكاد تنقطع عن جميع البيوت في محافظة الحسكة، وهي من الهدايا الغالية التي تُـرسَـل للأقارب والأصدقاء خارج المحافظة. أو تـُقـَدّم للزائر كأحد رموز الضيافة الجزرية المميزة، وتـَذخـَر بها الموائد في المناسبات، كرمضان والأعياد وظهور نتائج المدارس ومواسم الزواج وأيام الحج، وحتى في التعازي، حيث تقدم عن روح المتوفى.
أما عن تاريخ (الكليجة) فيقول الباحث إبراهيم صبري : تعد (الكليجة) من الأشياء العديدة التي لا يمكن معرفة تاريخها في محافظة الحسكة، لغياب عنصر التوثيق لمثل هذه الأشياء. لكن المؤكد حسب ما يرويه الناس أنها قديمة جداً، لكن لا أحد يستطيع أن يحدد لهذا الأمر تاريخاً معيناً، مثلما لا يستطيع أن يحدد المصدر الذي جاءت منه (الكليجة). فالبعض يظن أن مصدرها تركي، بيد أننا عندما شرعنا بالبحث والتقصي عن هذا النوع من حلويات العيد، اكتشفنا أن (الكليجة) كلمة فارسية معناها حـلـق الأذن، أو الشيء المستدير. وهي نوع من المعجنات الحلوة، ولها قالب خاص تُصنع به، يُعطي العجينة الشكل المستدير الذي عُرفَت به. من هنا نلاحظ أن (الكليجة) تكاد تكون حكراً على الدول المحيطة بإيران ولاسيما العراق وتركيا وسورية، ومن ثم انتقلت إلى بقية الدول كمصر والسعودية عن طريق التجار. فهي موجودة الآن في أكثر من بلد عربي، حيث تـُسَـمّى باسمها الأصلي كما في سورية والعراق والسعودية، أو يـُطـلـَق عليها اسم المعمول أو كعك العيد في مصر. كما أخذت بعض الأسواق العربية تستقبل أنواعاً من (الكليجة) المصنعة في عدد من الدول الأوروبية كهولندا وفرنسا، بعد أن سرقت هذه البلدان سر الصنعة من أهل المنطقة، ثم تعود لتقدمها لهم بحشوات مختلفة وبأسعار عالية جداً. ولهذا السبب تـُذكـر كلمة (الكليجة) مقرونة باسم البلد الذي تـُصنَـع فيه، فيقال (كليجة) سورية و(كليجة) سعودية و(كليجة) عراقية وهكذا، وأحياناً تُـقـرن باسم المدينة أو المنطقة التي تصنع فيها، فيقال (كليجة) حسكاوية أو (كليجة) ديرية نسبة إلى دير الزور في سورية، و(كليجة) قصيمية نسبة إلى منطقة القصيم أو (كليجة) بريدة أو (كليجة) عنيزة في السعودية، وفي بعض البلدان تسمى (كليجاء).
ونحن نقول إن (كليجة) الحسكة أو (الكليجة) الجزراوية، هي بلا شك جزء من خصوصيات المنطقة، وأحد المكونات الأساسية في تراثها وإرثها العريق. وأهل المنطقة يفخرون ويعتزون عندما تُـقـرَن (الكليجة) باسم منطقتهم وأحياناً باسم الوطن، فيقال (كليجة) جزراوية أو (كليجة) سورية.

طباعة

التصنيفات: أهم الأخبار,السلايدر,محليات

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed