آخر تحديث: 2020-09-27 20:16:10

سنُطيح بـ«كورونا»!

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

ثمة فرق بين أن ننطلق من نظرية المؤامرة كنموذج للتفسير وبين التحقيق في المؤامرة كفرضية محفوفة بالقرائن، الأولى يفرضها الاعتقاد والثانية يقدحها الحدس. لا يمكن إذاً استبعاد المؤامرة ولكن يمكن مناقشة نظرية المؤامرة.

تبدو السرديات الخاطئة في سياق انتشار وباء كورونا أسرع من انتشار الوباء نفسه، من دون أن تقدّم علامات طريق على مخرج حقيقي. وأيّاً كان الأمر فإنّ الإقناع بتناسق المقدمات الاستدلالية واحتمالية الفرضية من الناحية العلمية –لا العملية– فإن ذلك إن حصل لا يكفي للبرهنة على واقعيتها.

ففي كل خطوة علمية تتشعّب الاحتمالات، والعقل العلمي هو عقل احتمالي بالدرجة الأولى، والبرهان فيه اختباري، فالوثوقية لها مرتكزاتها وهي في العلم تواجه تحدّي التنسيب. وكما نحتاج في التأريخ إلى وثيقة فإنّنا نحتاج في العلم إلى وثيقة، أي معطيات نبني عليها في البحث. لكن ماذا عن تلك الإشاعات التي تستفزّ البداهة العلمية وأبسط قواعد ومعطيات العلم؟

يجري الحديث حول كورونا بكثير من السوريالية، ولا أدلّ على ذلك السردية التي ترى أننا أمام غاز السارين الذي أُجريت عليه تجارب في إحدى المختبرات.. ثمة سردية تقول إنّ الأمر يتعلق بتطوير غاز السارين في مختبر أمريكي في أفغانستان وثمة سردية تتحدث عن “تطوير فيروس كورونا نفسه في مختبر في ووهان”، تتبعت السرديات ذاتها فألفيتها مليئة بالثغرات والتناقضات التي يرفضها العقل العلمي حين يكون مدجّجاً بالحيطة والحذر ولا ينبهر بالتناسق الشكلاني للتحليل، فالعقل العلمي الحقيقي يتمتع بالرّوية ولا ينخدع بظواهر التفسير. وكما سنلاحظ، فإنّ الإشاعات شبه العلمية تسعى لخلق استدلالات متينة من الناحية التناسقية والشكلية وربما توحي أحياناً بوجود معطيات موهومة أو معطيات مبنيّة على قياس التمثيل السّطحي.. نحن أمام جائحة تفرز أساطيرها كما هي عادة الجوائح في كل العصور.

أحب أن أؤكّد على أنّ كورونا ليس فقط ككل الأنواع الفيروسية ضعيف، لكن قوته تكمن في ضعفه، حيث لو لم ينتقل بسرعة ويتكاثر بسرعة بالإضافة إلى كمونه لما استطاع البقاء (تأمّل في أنّ جرذاً قد يُعجزك عن الإمساك به إذا ما تركت مزرعتك مُشرعة).. إنه أيضاً كائن يقاوم تحدّي الطبيعة التي حرمته من القدرة على الحياة إلا في هذا الوضع المزري، لكن هناك ما هو أهم من ذلك وهو أن كورونا أضاف إلى ضعفه الطبيعي ضعف اختصاصه لأنه لا ينتقل إلا في قنوات خاصة ويستهدف الجهاز التّنفّسي دون الأجهزة الأخرى وأنّ انطلاق عملياته تبدأ من داخل قمرة الجهاز التّنفّسي، ومن هنا فنحن إزاء كائن مقيد ومحاصر وضعيف، ويزداد ضعفاً كلما تعزز الحجر الصحي وحفظ المسافات والنظافة المطلوبة والتعقيم.. إنّه أيضاً لا يستغلّ بروتينات الخلايا الرئوية فحسب لتنفيذ عملياته بل يستغلّ غباء الإنسان واستهتاره وكبريائية أيضاً، إنّنا اليوم وسط صراع بين “ذكاء” طبيعي للفيروس والذكاء البشري الذي لا زال ممزقاً بين الذكاء الطبيعي والذكاء الصناعي.

يعتمد كورونا في حربه على جعل جسم الإنسان يهاجم نفسه، فعادةً ما تكون الخلايا البشرية محمية بغشاء منيع، لكن كورونا يستخدم بروتيناته الخاصة في اختراق خلايا الإنسان. وهو يعتمد على عنصرين: الجهل البشري وخداع الخلية، ومن هنا فعمليات صناعة الترياق المناسب يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أساليب الفيروس نفسه وخداعه، وهذا يعني أنّ الترياق يحاول اختراق الفيروس وإبطال وظيفة البروتين الذي يستعمله في اختراق الخلية. ويمكنني القول أنّ إصابة البروتينات في الفيروس هو بمثابة تقويض ما أسميه بدماغ الفيروس أو روحه لأنّ الفيروس ليس في نهاية المطاف سوى هذا البروتين المغلّف، بل إنّ اختراق هذا الغشاء الذي اكتسبه الفيروس- أتحدّث عن اكتساب لأنّ الفيروس إذا لم يطور حاله فهو عاجز عن الفعل – سيشلّ الفيروس نفسه، وسيكون حاله حال عديد من الفيروسات التي تطيح بها المناعة البشرية بشكل دائم في حياتنا.

يفرض كورونا وتيرة سريعة حتى في التكيف، لكن الذكاء البشري لا يُستهان به، فالتعامل مع الفيروس يتطلب استيعاب أساليبه الماكرة، وقد اهتدى بعض الخبراء إلى حصر البروتينات التي يحتاجها كورونا في عملية التكاثر، وهذا لا شكّ مهمّ في سياق البحث عن منع التفاعل بين البروتين الفيروسي والبروتين البشري.. نحن إذن على الطريق الصحيح لاصطياد كورونا.

لا أتوقّع لهذا الفيروس قدرة للبقاء أكثر من هذا الوقت، فالأوبئة حتى في أزمنة غابرة لم تكن قادرة على البقاء، وحتى قبل ظهور باستور كانت الأوبئة تعود بين الفينة والأخرى وتحصد ضحايا كثر ثم سرعان ما تختفي.. وأمام كورونا هو الآخر جملة من التحديات نحصيها في الآتي:

– للفيروس ما يمكن أن نعتبره حالة الذروة ليعود ويتراجع ويختفي في الحالات العادية.

– قد يختفي من دون حتى أن يُصار إلى اللقاح، كما كان وضع الأمم إزاء الطاعون، وذلك لضعف الفيروس أمام تقلّبات الطّقس والحرارة.

– مع تطبيق الحجر الصحي تكون هنا فرصة الفيروس للانتشار أقل بكثير.

– كورونا محاصر اليوم بالإجراءات العلاجية بناء على لقاحات استعملت في أوبئة سابقة.

– البحث جار على قدم وساق لتطوير اللقاح المناسب.. هي قضية وقت ليس إلاّ.

– يستقوي الفيروس اعتماداً على عامل الوقت والهلع، ولكنه يدرك أنّه كائن يجري في اتجاه حتفه أيّا كان معدّل الضحايا.. إنّه اليوم في حالة هروب من المطاردة التي أعلنها العقل البشري.

– الإرادة والإيحاء القادرين على إحداث تأثير تكويني على مستوى تقوية المناعة أو الإطاحة بالخصم حتى لو تعلق الأمر بالفيروس، شيء من التركيز والتحدي والإيحاء يوفر البيئة الطبيعية للممانعة.

كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed