آخر تحديث: 2020-10-01 18:49:06

الدورة الـ 71 للجمعية العامة لم تختلف عن سابقاتها!

التصنيفات: رؤى عربية

في كل عام من شهر أيلول تفتح مقرات الأمم المتحدة أبوابها للعشرات من زعماء العالم الذين يتوافدون إلى هناك، وخلال نحو عشرة أيام تتجه الأنظار إلى نيويورك بحثاً عن تغيير في السياسات الدولية واتجاهاتها لمعالجة القضايا الراهنة على مستوى العالم، ولاسيما منها بؤر العنف المتفجرة هنا وهناك.
دورة هذا العام الحادية والسبعون التي انعقدت في الأيام العشرة الأخيرة من شهر أيلول لم تختلف عن الدورات التي سبقتها،ـ بل أكدت أن انقسامات حادة وخطرة تحكم المشهد الدولي، ولكنها تعطي مؤشرات ودلائل جلية ترسخ القناعات بأن النظام العالمي القائم قد تجاوزه الزمن.
وعلى مدى عشرة أيام يعقد ضيوف نيويورك من زعماء العالم أكثر من ألف لقاء، منها لقاءات ثنائية ومنها لقاءات جماعية، علاوة عن الخطابات والمؤتمرات والمحاضرات التي تلقى أمام الجمعية العامة، وكلها في طبيعة الحال تتناول قضايا محددة كان من أخطرها: مكافحة الإرهاب، وملف اللاجئين، والحرب على سورية والحرب على اليمن، وصراعات أخرى بينها الصراع العربي- الصهيوني، أو بالأحرى قضية فلسطين التي لم تعد في صدارة الاهتمامات كما كان الأمر من قبل، بل تكاد تصبح بالنسبة للأمم المتحدة وكأنها قضية فرعية ليست ذات أهمية، والسبب في ذلك، هو الضغوط الأمريكية والغربية والإسرائيلية التي همشت هذه القضية، وأيضاً ان بعض الحكام العرب الذين من المفترض أنهم أصحاب هذه القضية والمدافعون عنها تراجعت اهتمامات أغلبيتهم بهذه القضية ووضعوها على الرف بسبب خلافاتهم ومصالحهم الخاصة.. كذلك تراجعت على جداول أعمال الجمعية العامة مسائل أخرى مهمة تهم العالم أجمع، مثل ملفات التنمية ومكافحة الفساد والفقر والمرض وإصلاح النظام الدولي، بما في ذلك إصلاح الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها وبرزت بدلاً منها نُذر أزمات دولية كبيرة لن تحقق معالجتها شيئاً غير الفشل في معالجة المعضلات الراهنة، وعلى سبيل المثال، طغى الخلاف الروسي- الأمريكي بشأن ما يجري في سورية بسبب مناورات الولايات المتحدة وعدم التزامها بالاتفاقيات التي أبرمت حول سورية، ومنها اتفاق التهدئة منتصف أيلول الماضي… ومن بنود هذا الاتفاق ضرورة الفصل بين المجموعات الإرهابية وبين ما تسميها واشنطن «المعارضة المعتدلة». وبدا من خلال الكلمات والتصريحات والمداخلات أن وجهات النظر متباينة بين الطرفين الأمريكي والروسي، وأن الدعوات المطروحة للتوافق على استراتيجيات دولية لمعالجة هذه القضايا وليس من السهل تحقيقها.
ولكن جرت العادة في الأمم المتحدة أن يطلق الزعماء تعهدات ووعوداً يجري تسجيلها وحفظها في أرشيف المنظمة الدولية، في حين ان الالتزام بتنفيذها ليس وارداً على الإطلاق. وكل متابع لشؤون الأمم المتحدة يحق له أن يسأل ويتساءل عن روح ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر ورأى النور بعد الحرب العالمية الثانية؟. حين التزمت دول العالم آنذاك بإحلال السلام وإنصاف الشعوب المقهورة، والحد من التسلح، وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنسانية ومحاربة الفقر والأمراض الوبائية والمجاعات ونشر التنمية، ولكن التطورات اللاحقة أثبتت أن كل تلك التعهدات سقطت ضحية استبداد القوى الإمبريالية والاستعمارية وظلت حبراً على ورق، وانقسم العالم إلى معسكرين، وفي ظل هذا الانقسام تحقق بعض التقدم في بعض المجالات الإنسانية، ولكنه تقدم ظل مشروطاً ومحكوماً بمصالح عليا لدول معينة، وبالتحديد للولايات المتحدة الأمريكية وعملائها في العواصم الغربية الاستعمارية التي بقيت تفكر على الدوام بإحياء مشاريعها في الهيمنة ولو غير المباشرة على الدول والشعوب، وبمعنى آخر، لم يكن التقدم المذكور عملاً إنسانياً صرفاً وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
في الدورة الأخيرة «الواحدة والسبعين»، وبالتزامن معها تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ولاسيما بريطانيا وفرنسا وبين روسيا، ولم يكن هذا التصاعد في التوتر بسبب الحرب على سورية وفيها فقط، بل كان أعمق من ذلك بكثير، وعلى هامش هذا التصاعد بدأ يتضح أكثر فأكثر حجم الاحتقان الدولي في أكثر من منطقة بسبب السياسات الأمريكية القائمة على الانطلاق من المصالح الخاصة في تعاملها مع الأحداث الدولية واستمرار واشنطن وحلفائها الغربيين بالانفراد بالقرار الدولي من دون أن يشاركها فيه أحد، متجاهلة أن قوى دولية كبيرة مثل روسيا والصين وغيرهما لم تعد تسمح بذلك، فروسيا والصين ولاسيما روسيا، تسعى جاهدة إلى ضرورة أن تأخذ الأمم المتحدة دورها، وأن تطبق القوانين الدولية والإنسانية بعيداً عن الازدواجية والمحاباة والانحيازات غير المنطقية، وهذا ما يزعج واشنطن ويجعل ساستها يعرقلون كل جهود مخلصة لتطبيق القوانين الدولية، ويعطلون مشاريع الحلول والاتفاقيات هنا وهناك، وبمعنى أوضح لا تزال الإدارات الأمريكية تريد الهيمنة على هذه المنظمة الدولية واعتبارها دائرة من دوائر الخارجية الأمريكية.
وعلى سبيل المثال، فالحرب على الإرهاب مازالت تراوح مكانها، والأزمات تشتعل هنا وهناك مع تغييب أي إرادة حقيقية لحلها، وحتى إذا توافر حل فغالباً ما توظفه أمريكا لتفجير أزمات وصراعات جديدة، وإبقاء مبدأ المعالجة للمشكلات الدولية قائماً على المصلحة الخاصة وليس على مبادئ العدالة والسلام وروح القانون الدولي والإنساني.
إذاً، هناك أزمة خطرة في النظام الدولي القائم تتعلق بانعدام الثقة والميل إلى استعمال منطق القوة والتآمر من الجانب الأمريكي والغربي عامة أكثر من الاحتكام إلى قيم التعايش والتعاون إلى روح ميثاق الأمم المتحدة، في الوقت الذي تحتاج فيه الأمم المتحدة إلى إصلاح جذري وإعادة النظر في تركيب مجلس الأمن والهيئات والمجالس والمؤسسات الأخرى التابعة لهذه المنظمة ذلك أن هيكلاً عمره أكثر من سبعين عاماً قد شاخ ولم يعد يعبر أو يتماشى مع هذا العصر بكل ما في الكلمة من معنى.
هذا وقد شهدت الدورة الأخيرة للأمم المتحدة هجوماً استثنائياً على روسيا من قبل مندوبي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا بدأته المندوبة الأمريكية «سامنثا باور» زاعمة أن العملية العسكرية في شرق حلب تتناقض مع دعوات روسيا إلى الحل السلمي للأزمة في سورية، في حين رأى مندوب فرنسا أن «التصعيد العسكري في شرق حلب سيقضي على أي بارقة أمل كانت موجودة قبله لحل الأزمة». وكان المندوب البريطاني أكثر وقاحة عندما وجه «الاتهام» لدمشق وموسكو بارتكاب جرائم حرب، متناسياً دعم حكومته للإرهابيين، ومتناسياً أن بلاده «بريطانيا» هي سبب كل كارثة لحقت بالعرب.
باختصار: إن هذه الدورة للجمعية العامة للأمم المتحدة لا تختلف عن سابقاتها كما أشرنا وستبقى توصياتها محفوظة بالأدراج في ظل استمرار الهيمنة الأمريكية الغربية عليها ومحاولات إبقائها وسيلة في يد واشنطن وحلفائها وعملائها لتنفيذ أجندات على حساب الشعوب والدول الصغيرة.

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed