آخر تحديث: 2020-10-01 18:23:05

النفاق الأمريكي في «مكافحة» الإرهاب

التصنيفات: رؤى عربية

يوماً بعد يوم تثبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أنها الداعم الأكبر لتنظيم «القاعدة» والتنظيمات الإرهابية المتطرفة الأخرى، وأن «مواجهتها» المزعومة مع تلك التنظيمات هي للتغطية على الدعم الكبير الذي تقدمه بشكل مباشر وغير مباشر لهذه التنظيمات في باكستان وتركيا وسورية ومصر وشمال إفريقيا وذلك بنشر الفوضى وتدمير مقومات التنمية خدمة للكيان الإرهابي الصهيوني الذي يحرض ليل نهار ضد سورية من أجل «إضعافها» ومن ثم «إخراجها» من محور المقاومة.
فليس سراً أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بدعم وتمويل وتسليح وتدريب التنظيمات الإرهابية في سورية، وكدليل على ذلك ما جرى من عدوان سافر على موقع للجيش العربي السوري في دير الزور تمهيداً للطريق أمام «داعش» للهجوم على الموقع قبل أن يستعيد الجيش السيطرة عليه من جديد، وهذا في حد ذاته يثبت طبيعة العلاقة العضوية بين أمريكا وهذه التنظيمات الإرهابية المشتقة من تنظيم «القاعدة» الذي هو من حيث النشأة والولادة صناعة حصرية- أمريكية- سعودية ومصدرة للخارج وهو ما اعترفت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة والمرشحة الحالية للرئاسة هيلاري كلينتون منذ فترة ليست ببعيدة بمساهمة أمريكا في إيجاد هذه التنظيمات قبل عشرات السنوات وها هي اليوم تدعي محاربتها، ما يعني أن الولايات المتحدة الأميركية هي من ساهم في ولادتها وهي اليوم المستثمر الأكبر في إجرامها، حيث توفر لها وتحت غطاء «الحرب على الإرهاب» فرص التدخل في شؤون دول المنطقة والتلاعب بأوضاعها السياسية والتأثير في حكوماتها وابتزازها تحت التهديد بخطر «داعش» وهو ماجرت عليه الأمور في العراق وبعض الدول الأخرى، إضافة إلى أن الخطر يستدعي شراء المزيد من الأسلحة لمواجهته, ما يعني أن تقوم دول المنطقة بتبديل أولوياتها من تعليم وصحة ورعاية وبنية تحتية وتنمية ومواكبة التطور إلى خيار آخر هو محاربة الإرهاب ومكافحته، ما يعني المزيد من التراجع في مؤشرات التنمية والدخول في مربعات الفقر والجهل والتخلف وهي البيئات المصنّعة والمنشئة للإرهاب والمصدرة له، أي إن مكافحة الإرهاب تتحول إلى إعادة إنتاج له بطريقة أخرى، مشيرين إلى أن كميات هائلة من الأسلحة التي أرسلتها أمريكا لحلفائها ينتهي بها المطاف بين أيدي الجماعات الإرهابية .
فالمتابع للسياسة الأمريكية وللدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا يلاحظ الدعم المتواصل للعصابات الإرهابية الإجرامية تحت مسميات مختلفة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، دعم ما يسمى«المعارضة المعتدلة»، فمنذ بداية المشاركة الروسية في مكافحة الإرهاب في سورية تم تسجيل محاولات نشطة لإعادة هيكلة المجموعات الإرهابية المسلحة في سورية وإعادة تكوينها بألوان داعميها ومموليها بهدف الحفاظ على «قدرتها القتالية» فإرهاب أمريكا فاق كل التصورات وتضليلها وغطرستها وكذبها سبق كل الأضاليل, لأنها لاتريد إلا تحقيق أجندات مجمع الصناعات العسكرية والشركات الجشعة فيها، ولاتريد إلا الإنصات للوبي اليهودي، وتعبيد الطرق لنشر الإرهاب وتثبيت أركان الكيان الصهيوني العنصري , وتالياً يمكن فهم السعار الأمريكي لدعم الإرهاب ويمكن معه أيضاً فهم تلك الاستماتة الأميركية في الدفاع عنه على اعتبار أنه يحقق لها سلسلة طويلة من الأهداف الجيوسياسة والاقتصادية والاستراتيجية التي لم تستطع تحقيقها بشكل مباشر طوال العقود الماضية, حيث تحاول المواقف العدائية الغربية والأمريكية التشويش على جهود روسيا في محاربة الإرهاب، وفي هذا السياق نشير إلى حجم الهوة بين جهود القيادة الروسية لإيجاد حل للأزمة في سورية عبر حوار سوري – سوري بعد اقتلاع الإرهاب منها، وبين جهود القوى المتآمرة على الشعب السوري التي مازالت تضع العراقيل أمام الحل السياسي الذي من شأنه إيقاف سفك الدم السوري والمساهمة باجتثاث الإرهاب رغم فشل تلك القوى المعادية في تحقيق أجنداتها الاستعمارية في استهداف البنية التحتية و«إسقاط» الدولة السورية .
لقد أخفقت السياسة الأمريكية في المنطقة على الرغم من الاحتلال الدامي لأفغانستان والمذابح الوحشية المرتكبة بحق العراق وتدمير ليبيا, كما أن التواطؤ الأمريكي-  الغربي-  الخليجي  –  التركي في دعم الإرهاب وإطالة أمد التوتر في المنطقة واضح من خلال استخدام الإرهاب، وعدم تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بمكافحة الإرهاب ولاسيما «داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وتجفيف منابعه، وتالياً فإن العدوان الأمريكي على موقع للجيش العربي السوري في دير الزور لا يمكن أن يكون  «خطأ أو مصادفة» فهذه كذبة كبرى يدركها ويعلمها كل من له علاقة بجغرافيا الأحداث وتموضع الأطراف المتقاتلة وطبيعة التقانة التي تحكم عمل القوات الجوية وما تملكه من أجهزة رصد وتصوير دقيقين، ناهيك بالجغرافيا المكشوفة في منطقة دير الزور حيث البادية المفتوحة ودرجة الرؤية العالية في وضح النهار، فكيف لقوات جوية تملك أحدث المعدات وأجهزة الرصد والتصوير والمعلومات الاستخباراتية أن تقع في «خطأ» كهذا قاتل وغير اعتيادي؟! فالمسألة إذاً هي محاولة مكشوفة وخائبة وكاذبة لتبرير العدوان، وهو ما يثبت ويؤكد ما قالته سورية من أن ما جرى هو عدوان مدبّر وجريمة نفذّت بترصد وسبق إصرار وتعمّد، ما يعني أنها جريمة مكتملة الأركان، تتحمل أمريكا وحلفاؤها مسؤولية تامة في تحمل تبعاتها ونتائجها وما يترتب على ذلك من مسؤولية تجاه الدولة السورية.
في كل الأحوال ليس الغرب جاداً في «محاربة الإرهاب» أو مواجهة «داعش» ولو كان كذلك لألزم نفسه بتطبيق القرارات الأممية التي وافق عليها وخاصة تلك التي تطالب بمنع دعم وتمويل وتسليح الإرهابيين، وتجفيف منابع الإرهاب وتفكيك بيئاته الحاضنة, ولما تردد لحظة في الوقوف إلى جانب الدولة السورية التي تحارب الإرهاب نيابة عن العالم, ولما تعاطى مع الإرهابيين بهذه الازدواجية محاولاً تصنيفهم إلى متطرفين و«معتدلين», والقول: إن هناك إرهاباً «جيداً» وآخر سيئاً، فالجميع بات يدرك أن التطابق بين «داعش» وبقية التنظيمات والكيانات المسلحة التكفيرية في سورية كامل وشامل, لا بل إن بعض هذه التنظيمات تفوق على «داعش» بحجم وفظاعة الجرائم والانتهاكات التي قامت بها .
ويبقى الإرهاب لا دين له ولا وطن، وهو لن يتوقف عند حدود ما يرسم له في أمريكا، وإنما سيتعدى ذلك ليطول العالم بأسره بما في ذلك الدول البعيدة عن منطقتنا، والأحداث تؤكد أن الإرهاب المدعوم أمريكياً وغربياً وتركياً وخليجياً سوف يرتد على داعميه، وستحصد الإدارة الأمريكية وغيرها من الحكومات الغربية ثمن ما زرعته من أمنها وأمن مواطنيها, وتالياً فإن كل جهود الولايات المتحدة لتشكيل من تسميهم «معتدلين» محكوم عليها بالفشل في العالم، ليس لأن الأمر خارج عن إرادتها فحسب، بل لأن أي مجموعات إرهابية مسلحة ستحارب عنها بالوكالة يجب أن تكون إرهابية لإنجاح خططها، ولذلك هي الآن في حالة تصالح تام مع «القاعدة»، بل تقوم بـ «تبييض وجه» هذا التنظيم الذي يرتكب جرائمه في سورية تحت اسم «جبهة النصرة» رغم التصنيف الدولي بأنها إرهابية وهو الإرهاب نفسه الذي ادعت الولايات المتحدة أنها تريد تصفيته عندما غزت أفغانستان والعراق، ودمّرت وقتلت الملايين من البشر من شعبيهما وشعوب بلدان أخرى كثيرة.‏
لقد أصبح في حكم المؤكد والبديهي أنه كلما تقدمت جهود مكافحة الإرهاب في سورية قدماً إلى الأمام، علا صراخ وعويل التنظيمات الإرهابية والجهات والدول الداعمة لها، وارتفعت حمى التضليل والنفاق والتكاذب في القنوات الإعلامية والسياسية الغربية، وذلك من أجل «الحد» من النجاحات و«طمس» الإنجازات التي يحققها الجيش العربي السوري البطل، والتغطية على التواطؤ، والهروب من الفشل الذي منّي به «التحالف» الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان «مكافحة» تنظيم «داعش» الإرهابي.

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed