آخر تحديث: 2021-01-17 02:36:43

في الذكرى الـ 43 لحرب تشرين التحريرية صفحة مشرقة في تاريخ العرب الحديث

التصنيفات: رؤى عربية

في السادس من تشرين الأول عام 1973 كانت الأمة على موعد مع فجر عربي جديد بدّد ليل الانكسار والهزيمة.. وفتح صفحة مضاءة بالانتصار.
فقد شكلت حرب تشرين التحريرية- وبكل المقاييس-   مأثرة عربية خالدة، لم يزدها مرور الزمن إلا مجداً وبهاءً فهي الصفحة المشرقة في تاريخ العرب الحديث.
«ما أخذ بالقوة.. لا يسترد إلا بالقوة..»
مقولة خالدة.. لرئيس خالد.. قالها جمال عبد الناصر.. بعد نكسة حزيران عام 1967 وهزيمة الجيوش العربية على الجبهات الثلاث التي أضعفت الروح المعنوية للمواطن العربي.. كان لابد للقيادتين العربيتين في سورية ومصر من دراسة موضوعية لإعادة الروح المعنوية للجندي العربي.. وكذلك المواطن العربي.
فنتيجة الرفض الإسرائيلي المطلق لفكرة الحل السلمي- بإعادة الأراضي التي احتلتها «إسرائيل» بالقوة- وجدت سورية ومصر أنه لابد من حل عسكري يكسر جمود الموقف، ويضع حداً لحالة اللاسلم واللاحرب ويعيد الأراضي العربية المحتلة.
من هنا جاءت حرب تشرين، وكانت بمنزلة مفاجأة استراتيجية كاملة، أمسكت بزمام المبادرة.. ودحرت «الأسطورة» التي نسجتها «إسرائيل» دعاية والدعايات المؤيدة لها حول قوتها «التي لا تقهر».
لم تكن هذه الحرب حدثاً عابراً.. بل نقطة انعطاف وتحولاً نوعياً في الصراع العربي –  الصهيوني، استطاع العرب فيها أن يحققوا جملة من الإنجازات التي تعد في عالم السياسة والحرب أوسع خطوة، وأوثق تحرك استطاع العرب القيام به في تاريخهم المعاصر.
كانت هذه الحرب المنعطف التاريخي الذي رد الاعتبار للإنسان العربي ونقله من متاهات «التراجع والانهزام»، إلى مواقع القوة والمبادرة وقد أثبت التاريخ أن الأمة التي أنجبت الرئيس جمال عبد الناصر هي نفسها التي أنجبت القائد المؤسس حافظ الأسد.. وكانت الحركة التصحيحية في 16/11/1970 حيث بدأ التوجه العملي لإعداد العدة لخوض حرب تحرير بعد استكمال مقومات النصر، في الوقت الذي كان فيه العدو لا يزال يعيش «نشوة نصره» في حرب حزيران ويصدق أكذوبة ألصقها بجيشه «أنه لا يقهر».
من هنا جاء التنسيق والتخطيط للقيادتين السورية والمصرية لخوض هذه الحرب لاستعادة الأرض المحتلة.
حرب تشرين التحريرية عام 1973 كانت جزءاً من الصراع العربي – الصهيوني الذي تضمن العديد من الحروب منذ عام 1948.. وقد أمضت «إسرائيل» في السنوات الست التي تلت حرب 1967 في تحصين مواقعها في الجولان السوري المحتل بإقامة خط «آلون» وعلى الجبهة المصرية «بارليف» وساهمت آلة الإعلام والأبواق الدعائية المعادية والحرب النفسية الصهيونية في التهويل من «تفوق» الجيش الصهيوني وفي الوقت نفسه عزفت هذه الأبواق على تصوير العرب على أنهم «متخلفون فاقدو القدرة على اتخاذ أي قرار يتعلق بالحرب» وسط حالة من الانقسام والتجزئة.
لأول مرة في تاريخ العرب الحديث يُتخذ قرار بشن الحرب، وتحقيق المفاجأة باتفاق أُعد جيداً من جانب القيادتين السورية والمصرية السياسية والعسكرية، كان من نتائج هذه الحرب جملة معطيات:
أولاً-  تجسد التضامن العربي في أبهى صورة في دعم الجيشين السوري والمصري، وشاركت بعض الجيوش العربية في هذه الحرب.
ثانياً-  تم اتخاذ قرار عربي باستخدام سلاح النفط.
ثالثاً-لأول مرة في تاريخ العرب يُحدد هدف للحرب وهو تحرير الأرض العربية المحتلة وإزالة آثار العدوان.
رابعاً-  أسقطت هذه الحرب الدعاية الصهيونية التي كانت تروج أن العرب « لايجرؤون » على شن حرب.
خامساً-   لأول مرة ينجح العرب في التخطيط الجيد لشن الحرب، ونجحوا أيضاً في التمويه لذلك، وبقيت سرية حتى إعلانها، رغم قدرة العدو والدول المتحالفة معه في استخدام تقنيات التجسس واستخدام الأقمار الصناعية في رصد النشاط العسكري للجيشين العربيين السوري والمصري.
كان الإعداد الجيد للحرب من القيادتين في سورية ومصر السبب الرئيس في تحقيق النجاحات الباهرة على جبهتي القتال..
بدأت الحرب في توقيت واحد هو الساعة الثانية بعد ظهر يوم السبت السادس من تشرين الأول عام 1973 الموافق العاشر من شهر رمضان المبارك.. ولا أحد ينكر أن سورية ضحت باختيار التوقيت الذي كان ملائماً للجبهة الشرقية أي للقوات المصرية.. في حين كان المناسب للقوات السورية أن تبدأ الحرب مع شروق الشمس لوضوح الرؤية.
تحقق النصر المؤزر لسورية ومصر على الجبهتين الشمالية والشرقية في الأسبوع الأول.. حيث فشلت «إسرائيل» في استيعاب الضربة السورية- المصرية المزدوجة .. وأطلقت «غولدامائير» رئيسة وزراء العدو آنذاك نداءها الشهير للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية.. «أنقذوا إسرائيل»..
ولأول مرة تظهر صور الجنود الأسرى الصهاينة على وسائل الإعلام العالمية لتثبت أن العرب قادرون على صنع النصر.
نجحت القوات المصرية في اختراق خط «بارليف» الحصين خلال ست ساعات فقط من بداية الحرب.. وأوقعت خسائر كبيرة في القوى الجوية الصهيونية.. ومنعت القوات المعادية من استخدام أنابيب «النابالم» بخطة مدهشة..
كما نجحت القوات السورية في الساعات الأولى من بدء المعركة من اختراق الدفاعات المحصنة لقوات الاحتلال الإسرائيلية «خط آلون» واستعادة مرصد «جبل الشيخ» المنيع والتوغل في قطاعات الجبهة كلها، وتكبيد قوات الاحتلال الإسرائيلية الخسائر الفادحة في العتاد والقتلى والأسرى.
وقد مهدت المدفعية السورية لهجوم المدرعات والمشاة تقصف استمر ساعة متواصلة اشترك فيها حوالي 1000 مدفع، في حين كانت الطائرات تدك مواقع العدو وتجمعاته من ارتفاعات منخفضة واستطاعت القوى الجوية والدفاع الجوي السورية يوم 11/10/1973 من إسقاط 90 طائرة معادية.. وأن أكبر معركة في الدبابات حصلت في التاريخ كانت على أرض الجولان.. وقد دخلت القوات البرية بعمق 20 كم في هضبة الجولان حتى وصلت إلى بحيرة طبريا..
وزير الحرب الصهيوني «موشي دايان» آنذاك قال: «لقد فقد طيراننا زمام المبادرة.. وأن الطيران العربي يسود الآن أجواءنا.. وأن عدد القتلى كبير جداً.. والمعركة طويلة وقاسية.. وأن خسائر «إسرائيل» فيها كبيرة.. ولا أحد يعرف كيف ستنتهي».
في ذكرى حرب تشرين التحريرية تتسابق الحروف لتحكي ملاحم بطولية وإنجازاً عظيماً هو الأنصع في تاريخ أمتنا العربية في القرن العشرين وتبحث عن مفردات ترسم ملامح الملحمة التي خطط لها القائد المؤسس حافظ الأسد صانع حرب تشرين التحريرية.
واحتفالنا هذا العام بذكرى هذه الحرب التحريرية المجيدة وسط جملة من المتغيرات الدولية التي فرضت نفسها على المنطقة والعالم والتي تستهدف وجودنا و«تدمير» وطننا وإعادته إلى فلك الاستعمار.. يتطلب منا الوقوف عند معانيها ودلالاتها ويأتي في المقدمة منها، الالتفاف خلف قيادتنا الحكيمة، وجيشنا الباسل المغوار.
إن حرب تشرين التحريرية ستبقى إحدى معارك العرب القومية الخالدة، نستلهم منها معاني العزة والكرامة.. فسورية ستبقى الضامن الرئيس لاستعادة الحقوق العربية المغتصبة..
وإن ما تتعرض له اليوم من مؤامرة وحرب إرهابية قذرة هو بسبب ثبات مواقفها الوطنية والقومية.. ولكنّ المتآمرين نسوا أو تناسوا أن سورية لم تكن يوماً ولن تكون إلا رمزاً للصمود والشموخ العربي.. وأن مخططات التآمر مهما تعددت أشكالها وتلونت أساليبها لن تزيد شعبنا إلا قوة وصلابة وتلاحماً.. إن جيشنا البطل الذي سطر الملاحم في حرب تشرين التحريرية مستمر في أداء دوره الوطني النبيل حتى وأد الفتنة وإسقاط المؤامرة والقضاء الكامل على الإرهاب لتبقى سورية قلعة العروبة الصامدة وتبقى راية في سماء وطن شامخ يعلو بنيانه ويبحث عن تشرين آخر.

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed