آخر تحديث: 2021-01-17 02:36:43

آفاق..

التصنيفات: رؤى عربية

جبل صفون الذي يسمّونه الآن (الجبل الأقرع) هو في الميثيولوجيا الأوغاريتية بمنزلة الأولمب في الميثيولوجيا الإغريقية التي ترعرعت، واقتاتت على ما تشظى من الميثيولوجيات السورية والرافدية والمصرية التي تخطى جميعها، وتخطّت شظاياها حدود المجال. الجبل مقر البعل كبير الأرباب في تلك الميثيولوجيا التي أقامت منظومتها المعتقدية على تمجيد الخصوبة الممتدة من الأرض المخصبة بما يرسله البعل من أمطار، وصولاً إلى الإنسان القادر على تخصيب الحياة بالعبقرية والعطاء، وشتى فنون الإبداع. وبعض ما يؤسفنا في مجالنا السوري أن الهيئات العلمية التي أنجزت المنظومة المعرفية المتعلقة بأوغاريت ونصوصها هيئات تتمتّع بحقوق النشر العلمي, تنشر ما تشاء، وتحجب ما تشاء، حسب المتماشي مع سياساتها. والمعروف أنّ المقدار الأعظم من معلوماتنا عن أوغاريت وجبلها المقدّس لايزال حبيس اللغات الأوروبية.. مع استحسان الإشارة إلى أن النهوض الوطني بالمعرفة المعتمدة على الذات، يندرج اندراجاً مباشراً في إنجاز فكرة الاستقلال بدلالته الدقيقة.
من خواصر الجبل وأقدامه، وبعض أحشائه، يطلق الجبل أحجاراً صوب البحر، وصوب الوهاد التي يجتذبها البحر، وعبر هذه الرحلة التي تطول إلى ما يقارب الأزل، تقوم الأمطار بغسل الأحجار وصقلها مراراً وتكراراً، وما تقصر عن إنجازه الأمطار والسيول تتلقفه أمواج البحر لمواصلة المزيد من الصقل. وعبر هذه العملية المتكررة بمقدار تكرار طلوع الشموس، يظهر الجوهر البديع الذي ينطوي عليه الحجر. وكل حصاة تتمتع بخصوصية فريدة يستحيل وجودها في شقيقتها الحصاة، على غرار بصمة الإنسان التي يستحيل أن تطابق بصمة إنسان آخر. يأتي الإنسان الفنان، وهو في مثالنا المتعيّن الآن النحات السوري نزار بدر، يتأمّل معجزة الطبيعة بعيون نظيفة طازجة، فيرى أشكالاً صنعها الحتّ والصقل القائمان منذ الأزل، وألواناً راسخة في الحصى أقوى من رسوخ الجبل في مربضه الأزلي.. ألواناً تشربها الحجر الصلد فصارت جزءاً من تكوينه الذي يبثّها عروقاً، وخطوطاً دقيقة، ومساحات أخّاذة متراوحة بين الأحمر القوي، والأحمر الباهت الرخو، ودرجات البني، ودرجات أصفر المغراء، إلى الأخضر الزاهي والأخضر الزيتوني، وما بينهما. تبدو الألوان أنضر ما تكون عندما يعلوها مقدار من الماء، وتعود مضمرة عبر ما يعلوها من غبار المجال. وهنا في هذه اللحظة الفريدة من القرن بين عبقرية المكان، وعبقرية الإنسان يأتي دور المبدع ليمنح الحجرَ قدرته على إبانة جوهره المضمر في طبيعة الوجود.
لا يقتصر عمل نزار بدر على مساعدة الحجر في تجاوز حالته الراسخة البكماء، فهو يتجاوز حالة البحث والتجميع إلى النحت المباشر بمفهومه المعروف، ويصنع من الحصى والأحجار ذات الحجوم المتفاوتة، والأشكال المتباينة لوحات تقول ما يعيشه الإنسان السوري. يخلّد اللوحة المتكونة من أحجار مصفوف بعضها قرب بعض، بوساطة التصوير الضوئي، ثم يغير ترتيب العناصر الحجرية ذاتها لتمنح الوجود مشهداً آخر مختلفاً كل الاختلاف، وهكذا دواليك. ولا بد من الاعتراف بأن عمليات الترتيب والتقويض، ثم إعادة الترتيب تشبه ما يلعبه الأطفال، لكن عدد الأعمال المثبتة عبر التصوير التي قاربت ثلاثين ألف عمل، ومسارعة جهات غربية، ومؤلفين، وفنانين من أوروبا إلى منح هذه الأعمال قيمة إبداعية عليا، تجبر المرء على تأمل المنجز بعيون أخرى. اعتمد المخرج التلفزيوني الإيطالي (ساندرو كانشيللي) عدداً من التشكيلات الحجرية التي أنجزها نزار بدر لجعلها خلفية عمل سيمفوني موسيقي بديع عنوانه (سحر الشرق أدت العمل فرقة سمفونية سويسرية، وعلى وقع الموسيقا، وطريقة سريانها في المجال السمعي كانت أحجار جبل صفون تترجم ما تقوله الموسيقا إلى مشاهد من حياتنا السورية بأفراحها الصاخبة والهادئة، وشقائها، وبؤسها، وآلامها التي لا يغيب عنها سيف الإرهاب الراهن، استطاع المخرج الإيطالي تحريك الأحجار التي انتقاها وصفّها، ورتّبها الفنان السوري على طريقة التحريك في أفلام الدمى المتحركة، فنبصر في الموسيقا، ونسمع في الحجر قصّتنا السورية التي ينشغل بسردها الوجود.

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed