آخر تحديث: 2021-01-17 02:36:43

اسـترقاق العقول.. وحوار مع صـديقي السـوري!

التصنيفات: رؤى عربية

لم يكن يخطر في البال أبداً أن أراني مضطراً ذات يوم لتحريض مواطن على حب وطنه، فهو -هذا الحب- من البدهيات التي لا جدال فيها ولا مراء حولها. لكنني وقبل أن أتهيأ للنوم فوجئت بأحد زملائي الصحفيين السوريين الذين يعرفونني حق المعرفة -فقد عملنا معاً سنوات طويلة في واحدة من أكبر الصحف الخليجية- معلقاً على مقالي الأخير «القردة لا تقرر مصائر الأسود» وقد دعاني إلى ما سماه بضرورة اختياري منبراً غير «تشرين» للكتابة فيه؛ فقلمي نظيف كما وصفه، ولا يليق بهذا القلم أن يكتب فيها، حسب تعبيره المناهض للموضوعية!.
لم يدهشني وصفه لقلمي؛ فهو ـ بالتأكيد ـ يعرفه، ويعرف صاحبه عن قرب، ولي معه ومع الصحيفة التي عملنا فيها تاريخ يتكئ عليه في اختياره صفة النظافة؛ لكن الدهشة انتصبت في وجهي كحيوان مفترس كاد يفتك بهدوئي، أو هو فعلها، حين انتحى بالحوار جانباً، مصراً على الجنوح بترديد الكليشيهات، والقراءة من كتاب المحفوظات الأمريكية الرائج كثيراً في بلاد الخليج عن «النظام القاتل، المدمر للوطن، المتحالف مع الروس والإيرانيين واللبنانيين ضد سورية»!
هكذا، وفي وعي صحفي، يعلم أن المانشيتات ليست على الأغلب تعبيراً عن واقع الحال، وإن أصحاب التمصلحات- وقد عملنا معاً لدى أحدهم في صحيفته- يجيرون كل شيء لمصلحتهم، ويعلم قطعاً موقفي من هذا، الأمر الذي دفعني إلى تقديم الاستقالة التي رُفضت مرات عدة، لأنني لا أرضى لقلمي إلا أن يكتب ما يعتقده صاحبه لا صاحب المصلحة.
قلت له: يا زميلي، لا أصادر حقك ولا حق أي معارض في الاختلاف مع سياسة، أو الوقوف ضد رئيس أو وزير، لكني أربأ بك أن تكون خائناً، وأن تصم أذنيك عن الاستماع لحديث الوطن، ولا تسمع إلا للكاوبوي وأتباعه من باعة النفط، أو حُرّاسه بمعنى أدق لمصلحة الكاوبوي وشركائه، وأن وطنك يحتاج منك ومن الشرفاء أن تكونوا على قدر شرفه، لنكون جميعاً معكم، لا أن ترددوا ـوأنتم خارجه- الأكذوبة وراء الأكذوبة، والأضاليل تلف الأضاليل، لمجرد اختلافكم مع النظام.. المختلف مع النظام لا يرفع السلاح في وجه وطنه، لا يمنح الأجنبي رخصة التغيير في بلاده، ويحول بين الشرفاء وبينها، كيف تكون معارضة ومسلحة؟!، ماذا تنتظر إذا كانت الدولة مهددة بالسقوط؛ يسعى له الكاوبوي وحلفاؤه، ويقاومه شرفاء الوطن الكبير؟ أعجزت العقول عن إدراك المحنة؟ أنسيت إسقاط بغداد بحجة الخلاص من الديكتاتور وإقامة الديمقراطية؟ أذاكرة السمكة هي؟.
التف زميلي على ما قلته وطرح سؤالاً وكأنه اتهام: أتؤيد «بشار»؟!.
يا زميلي، القضية ليست الرئيس، الدولة هي المستهدفة، هم يريدون وطنك… يريدون إسقاطه، يريدون ألا تقوم للعرب قائمة، يصطادوننا واحداً فواحداً، وليس من الوطنية في شيء أن تتبنى أفكار الصحراويين محدثي النعمة، الذين لا يمثل لهم الوطن إلا خزانة دولارات، وآبار نفط، يحرسونها لأعدائنا، ويظنون أنهم مالكوها، ألم تقرأ ما قاله العنصري اليهودي «هنري كيسنجر» في هذا الشأن؟، أأنا بحاجة إلى أن أحرضك على حب وطنك؟!.
أثمة ما يحول بينك وبين هذا الحب غير ما تبثه وكالات الكراهية لكل ما هو عربي؟، فليرفع الجميع أيديهم عن سورية، وليترك أمر البلاد لأصحابها، للشعب السوري وحده، حق تقرير مصيره، واختيار الإبقاء على رئيسه، أو المطالبة بتغييره، لكنه ليس حقاً لمن يتاجرون بكل شيء.. بالدين.. بالوطن.. بالإنسانية.. هل اقتنعت؟.
تسلل إليّ شعور خافت بأنه أوشك على التسليم بوجهة نظري وامتد الحوار وتداخلت فيه أطراف سورية ومصرية، لكن إحساسي الخاص أن زميلي السابق يتبنى، ليس وجهة نظر سوري مغترب، يفتت روحه ما يعيشه الوطن، لكنه يخشى أن يخالف رأي المنبر الذي يعمل فيه، حرصاً على أكل العيش، وما أمرّه من عيش، وهذه مأساة آلاف السوريين العاملين في بلاد الخليج، التي تستأجر العامل وروحه ومشاعره، وفكره.
لا بارك الله في تجار الرق الجديد، استرقاق العقول، أليس هذا نقيض ديمقراطيتهم المزعومة؟! حرر عقلك يا صديقي!.
كاتب مصري

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed