آخر تحديث: 2021-01-17 02:36:43

عرب التطبيع في تشييع «بيرس».. تتويج القاتل «بطلاً للسلام»!

التصنيفات: رؤى عربية

سأبدأ بما كتبه الصحفي الـ«إسرائيلي» اليساري «جدعون ليفي» في جريدة «هآرتس» الــ«إسرائيلية»، حيث قال: «إذا كان بيرس بطل سلام، فالمفروض أن تكون «إسرائيل» كيان سلام، هل يشتري أحد ذلك؟.
لا يمكن القول: إنها محتلة ومعتدية، وإن بيرس رجل السلام الكبير!، وبخلاف العربان والفلسطينيين المنهارين المتقاطرين لحضور جنازة بيرس «بطل» السلام، فجدعون ليفي يقول: «إذا كانت «إسرائيل» أمام الهاوية الأخلاقية، فإن لبيرس دوراً في ذلك، ولو كانت «إسرائيل» متجهة نحو الفصل العنصري، فهو شريك مؤسس».
هذا ما يقوله الصحفي الـ«إسرائيلي»  «جدعون ليفي» وليس راسم عبيدات حتى لا يقال إن ذلك يعكس وجهة نظر متطرفة غير راغبة في السلام!، فهذا المجرم كان من أكثر القيادات الـ«إسرائيلية» مخادعة وتضليلاً، فهو من قال: «إن «أوسلو» الكارثة، هو النصر الثاني بـ «إسرائيل» بعد نكبة شعبنا الفلسطيني»، وكذلك شكّل وجه «إسرائيل» الناعم جداً، حينما كانت تريد الحديث عن السلام، وهو من بعد «أوسلو» كان يكثر الحديث عن السلام، ولكن لا يعمل شيئاً من أجل تحقيقه، بل لم يتوانَ عن ارتكاب المجازر حيث مجزرة «قانا» اللبنانية، وصرخات ضحاياها من النساء والأطفال اللبنانيين ستطارده في قبره، وكذلك أطفال ونساء وشيوخ وشعب فلسطين بأكمله، فهو عندما كان في منظمة «الهاجانا» الصهيونية إلى جانب قائده بن غوريون، عمل على طردهم وتهجيرهم قسراً من مدنهم وقراهم، وكذلك مارس وشارك إلى جانب بن غوريون وقادة عصابة «الهاجانا» بعمليات قتل وجرائم بحق الشعب الفلسطيني، فمذابح قبية ودير ياسين وغيرها من «نِعم سلام بيرس المزعومة». وهو مهندس المشروع النووي الـ«إسرائيلي» في «ديمونة» بالنقب، وصاحب نظريات الاستيطان في كل أرجاء فلسطين، وهو من بنى ما يسمى بالناصرة العليا ومستوطنة «عوفرا» وكذلك عمل على تطوير الصناعات العسكرية الـ«إسرائيلية» وسلاح الجو الـ«إسرائيلي». فهو كان يتكلم كثيراً عن السلام حتى إنك لتحسبه المهاتما غاندي!. والحق يقال عمل من أجل كيان الاحتلال لكي يكون قلعة حصينة قوية ومزدهرة، ولكنه لم يعمل من أجل أن تحقق ولو حداً بسيطاً من العدالة لشعب اغتصبت واحتلت أرضه، فكيف يكون هذا  المجرم، رجل سلام!؟.
سيسأل بعضهم: لماذا كل هذا التقاطر العربي والفلسطيني من أجل المشاركة في حضور وتشييع جنازة بيرس الذي أضحى في عرفهم «بطل» «سلام»؟، التقاطر العربي والفلسطيني مرتبط بحدوث تغيرات جذرية في قيادة وبنية ودور ووظيفة النظام الرسمي العربي، هذا النظام الذي انتقلت قيادته من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الطفيلية وقطاعات الكمبرادور والثيوقراطية الدينية، فمن بعد حرب أكتوبر عام 1973، بدأت عملية التغيير في البنية الطبقية والقيادية للنظام الرسمي العربي، وما استتبع ذلك من تغير في الدور والوظيفة ارتباطاً بالمصالح، وقد تعمقت تلك التغيرات بفعل تأثيرات أموال النفط والبترودولار الخليجية، لكي تفعل فعلها في تخريب النظام الرسمي العربي والمقاومة الفلسطينية، حتى وصلنا إلى مرحلة «كامب ديفيد»، حيث كنا أمام زلزال حقيقي، زلزال في الانعطافة الحادة لهذا النظام الرسمي في النظرة لكيان الاحتلال، من كيان عنصري محتل ومغتصب لأرضنا الفلسطينية إلى كيان يمكن خلق «سلام» معه، هذا السلام الوهم الذي أخرج مصر بثقلها العسكري والبشري والسياسي من المعركة مع العدو الصهيوني، هذا الخروج ترتب عليه غزو لبنان عام 82، من أجل تدمير قوى الثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية هناك، حيث كان الخروج والرحيل إلى أكثر من قطر عربي، وبعد ذلك العدوان الأمريكي والأطلسي على العراق، كل تلك التطورات والتغيرات قادت للوصول إلى مفاوضات مدريد-أوسلو، وما نتج عنها من إعلان مبادئ واعتراف متبادل بين «إسرائيل» ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولتستكمل تلك التطورات باحتلال العراق وتدميره، ولم تقف الأمور عند هذا الحد فأمريكا ودول أوروبا الغربية الاستعمارية، لم تتخلَ وتكف عن مشاريعها وأطماعها الاستعمارية في المنطقة، فهي تخطط من أجل إنتاج سايكس- بيكو جديد في المنطقة العربية، يقوم على أساس تفكيك وإعادة تركيب جغرافيتها على أساس المذهبية والطائفية والثروات، وكانت ما تسمى بـ«ثورات الربيع العربي» مدخلها في هذا الإطار، حيث جرى تدمير ليبيا والعراق، بعد فشل المراهنة على الإخوان المسلمين للقيام بهذا الدور، من خلال مساعدتهم للوصول إلى السلطة في مصر وتونس، حيث سرعان ما انهار المشروع الإخواني، وخسر الإخوان الحكم في مصر وتونس، وكانت الحلقة المركزية العائق أمام هذا المشروع هي سورية التي رفضت الخضوع بالترهيب والحصار والعقوبات، فهي من تشكل تحالفاً قوياً مع إيران وحزب الله وبقية قوى المقاومة والممانعة العربية، ولذلك كان لابد من كسرها بالقوة العسكرية، حيث تكالبت في العدوان عليها أكثر من 60 دولة وبمشاركة فعلية من أمريكا ودول الغرب الاستعماري و«إسرائيل» وتركيا ومشيخات الخليج العربي النفطية (السعودية وقطر والإمارات)، ولكن   الدولة السورية بدعم ومساعدة من حلفائها روسيا وإيران وحزب الله لم تنكسر، بل صمودها وانتصارها يعني فشلاً ذريعاً لهذا المشروع، بالتوازي مع ذلك عملت العديد من الدول العربية، وبالذات الخليجية منها على شعبنة الفتنة المذهبية، وحرفت الصراع عن أسسه وقواعده من صراع عربي- «إسرائيلي» إلى صراع عربي- إيراني، وأصبحت إيران بقدرة قادر العدو الأول للعرب والخطر على أرضهم وأمنهم القومي! بعدما كانت في زمن الشاه والحلف مع أمريكا صديقة!. ولذلك أصبح النظام الرسمي العربي ينظر لـ«إسرائيل» كحليف وليس عدواً، ونقلت وأخرجت العديد من الدول العربية علاقاتها مع «إسرائيل» من الجانب السري إلى العلني، لتصل حد التنسيق والتعاون والتحالف والمناورات العسكرية المشتركة و«الاندلاق» في التطبيع مع كيان الاحتلال.
ولذلك لا أرى غرابة في التقاطر العربي والفلسطيني لحضور جنازة «بيرس بطل» السلام، فنحن أمام حالة انهيار غير مسبوقة عربياً، وإدخال لثقافة الهزيمة و«الاستنعاج» بدل ثقافة الصمود والمقاومة، فهذا التقاطر العربي والفلسطيني و«العويل» على رحيل بيرس «بطل» السلام يأتي في هذا الإطار والسياق، والأكثر إيلاماً هو التقاطر الفلسطيني، حيث لم يعرف التاريخ قديماً ولا حديثاً قيام حركة تحرر وطني باستجداء عدوها، بل وحتى المشاركة في جنازة قاتلها.
ومن هنا نقول إن الثورة الفلسطينية التي دفعت مئات الآلاف من الشهداء ومثلهم من الأسرى والجرحى وفي المقدمة منهم فتح والجبهتان الشعبية والديمقراطية وحماس والجهاد وغيرها من المركبات السياسية الفلسطينية، عليها أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية التاريخية، واتخاذ مواقف عملية في كل ما يتصل ليس فقط بحضور جنازة «بيرس»، بل ما يتصل بقيادة مشروعنا الوطني وقضيتنا نحو الكارثة، بما يعنيه ذلك من دمار وتفكك.
كاتب من القدس المحتلة

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed