آخر تحديث: 2021-01-17 02:36:43

آفاق.. للَّغةِ دولةٌ..!

التصنيفات: رؤى عربية

أدركَت، لتّوتِّرها من تبكير ساعة النّوم، أنّ وقتَ الحكاية سيطول، رغم أنّ الطّفلة وضعت رأسها على الوسادة وعانقت اللّحاف ذا الورود البنفسجيّة وهدَأت بانتظار إطفاء المصباح! جلسَت بجوارها، نصفَ مستلقية: حكايتي اليوم طويلة وممنوع أن تنامي قبل أن أنهيها. وافقَت بإيماءة من أجفانها المظلّلة بالرّموش الخرنوبيّة وأمسكت بأصابعها الدّافئة: كان يا ما كان في قديم الزّمان أميرٌ يتمشّى على الشاطئ في ضوء القمر فضربته موجة عاتية، يعني عالية وقويّة وسحبتْه إلى قلب البحر، في هذه اللّحظة كانت حوريّة قد طلعَت من قصر الماء لترى السّفن والمراكب والأشرعة والبحَّارة والنّجوم فرأت الأمير يغرق.. تقلّصت أصابع الطّفلة واتّسعت حدقتاها: حوريّة؟ ثمّ تسارعت أنفاسها وخبّأت رأسها تحت الذّراع المنحنية فأدركَت أنّها لن تستطيع اصطحابها إلى عالم «هانز كريستيان أندرسن» في أشهر قصصه الطّافحة بالفلسفة الوجوديّة، حيث يدفع الحبُّ بالعاشقة إلى التخلّي عن الذّات والذّوبان في المحبوب. تقول لها الجدّة العارفة: إذا انقسم ذيلُك إلى قدمين ونسيت نفسك على الأرض فلن تعودي إلى عالمنا، فتوافق، ثمّ تحذِّرها: إذا أحبّ الأمير غيرك ستموتين وتتحوّلين إلى زبد، فنحن كالنّبات لا قبور لنا، فتوافق!، لكن كيف ستكمل الحكاية بشخص الحوريّة المتحوّلة إلى طيفٍ يساكن ذوي لحى مشعّثة على وجوه شيطانيّة، مدلّاةٍ على أكداسٍ من ملابس وحبال رصاص، وأيادٍ تقطر دماً وهي إمّا قابضة على سكاكين تشقُّ الصُّدور، وإمّا تحمل الرُّؤوس البشريّة تصفُّها على مناقل فحم مشتعلة أو تعلَّقها على الأعمدة! ما أفظع ثمن انزياح اللُّغة عن معانيها! ما أبشع تحطيم السّوار الثّمين قبل أن تتساقط جواهره فلا يعود اللّؤلؤ والماس أكثرَ من ترابٍ وحصى وضيع. تسارعت في خاطرها، خَطْفاً، كلمات: اللّه.. جهاد.. شهيد.. حرِّيَّة.. علَم.. جنّة.. حوريّة! لَكَم زعزعوا مواطن الكلمات النَّبيلة، فما عادت مسألة الابتذال التي قال فيها «الجاحظ» عَلَمُ كلّ العصور: «المعاني مطروحة في الطّريق، يعرفها العجميُّ والعربيُّ والحضريُّ والبدويُّ والقرويُّ والمدنيُّ، وإنّما الشّأن في إقامة الوزن وتخيُّر اللَّفظ وسهولة المخرَج وكثرة الماء، وفي صحّة الطّبع وجودة السّبك، فإنّما الشّعر صناعةٌ وضربٌ من النّسج وجنس التَّصوير»، بل هي متغيّرات يحدثها البشرُ على هَوْنٍ، فأمُّها كانت تقول إنّ «زوبع» هو من قادة الجنّ، القادر على فعل العظائم، ولذلك سمّى النّاسُ الإعصارَ بالزّوبعة، فغيّروا اسم الإعصار ونسوا زوبع!، وقال التّاريخ إنَّ قبيلة حرام التي دخلت مصر أيّام الفتح الإسلامي ما لبثت أن انحطّت وتلصّصت حتّى أصبح كلُّ سارق حراميّاً، وبقي اللّصُّ باسمها بينما غابت هي عن لغة التّداول!.
الانزياح الدّلاليّ للّغة كان بطيئاً ومتّئداً عبر التّاريخ، لكنّ هؤلاء الذين جاؤوا من العصور الهمجيّة وفتكوا بأحياء أرض اللّه باسم اللّه، لم يقوّضوا بنيان الحضارات الحجريّ وحده، بل أسقطوا معه بهذيانهم واختلاط عقولهم، دولة اللّغة التي قامت على منسوج مشاعر وفنّ وتأمّل في محراب طبيعة وصوامع فلسفة، وقصيدة شعر وتهويدة أمٍّ على مهد طفل، ويومَ يُعاد تشييد البناء، ستبقى فجواتُ اللّغة مفتوحةً كآبارٍ تستقرُّ في قعرها مفردات من الصعب أن تغتسل ويزول عنها الصّدأ والدّم والكدَر!.

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed