آخر تحديث: 2021-01-17 02:36:43

ما بعد حلب ليس كما قبلها

التصنيفات: رؤى عربية

لم تتردد القيادة السورية منذ بدء الأحداث وطوال الحرب الكونية عليها من اكثر من 80 دولة غربية بقيادة أميركا وعربية بقيادة آل سعود، لم تتردد في القبول بأي محادثات تؤدي إلى الحل السلمي، بل هي التي بادرت دائماً إلى الدعوة إليها بين السوريين فاتحة أبواباً للعودة إلى كنف الدولة تحت سقف العملية الديمقراطية وكل ما تتطلبه هذه العملية لمشاركة المؤهلين فيها في بناء الدولة. كما أنها لم ترفض أي مؤتمر برعاية دولية كما هو الحال في «جنيف 1» و«جنيف 2» رغم ما انبثق عنهما من قرارات لا ترقى إلى مستوى قيام دولة المؤسسات ولا تتوازى مع الانتصارات المحققة على الأرض. وكلنا شاهد وتابع مكونات هذين المؤتمرين لدى «المعارضات» الهلامية المقابلة للوفد السوري وكيف بدت متهالكة ومفككة ولا تملك أي طروحات جادة. وهذه المكونات هي التي أدت بممارساتها إلى فشل المؤتمرين. ومنذ ذلك الوقت كانت القيادة السورية تحارب الإرهاب والتكفيريين بيد، وتدعو إلى العملية السلمية باليد الأخرى.
هذه المشهدية التي دامت خمس سنوات ونيفاً فرضت نفسها كحقيقة حتى وسط الضخ الإعلامي المأجور الذي لم يكن يسوق إلا الأكاذيب والأضاليل، لتبرير استمرار العدوان على سورية وشعبها بضخ الآلاف من شذاذ الآفاق للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة بعد قتل وتهجير أبنائها لاستكمال مخطط التقسيم. أو في أحسن الأحوال لاستخدام ما يمكن أن يحققه هؤلاء كورقة ضغط وابتزاز في العملية السلمية.
ومع هذا لم ييأس أصحاب المشروع التقسيمي فعمدوا إلى الاتفاقيات والهدنات التي لم تكن تبرم إلا لتخترق سواء من أدواتهم وبتغطية منهم أو منهم مباشرة. وهذا يعني بكل بساطة أن تلك الدول لم تغير أسلوبها في الاستثمار في الإرهاب لتعزيز مكانتها من جهة، وللتخلص من الأدوات التي صنعتها في مرحلة لاحقة بعد استهلاكها من جهة أخرى، ولكن على الأرض السورية. فهي تدرك- وهذا ما حدث بالفعل- أن هؤلاء سيرتدون عليها وسيضربون في عمقها وسيروعون شعوبها، خصوصاً بعد أن تمكن عشرات آلاف الإرهابيين من التسلل إلى أوروبا من تركيا، أو العودة إلى البلاد العربية التي أتوا منها وأكثرهم وجد بيئة إرهابية حاضنة في الدول التي وصلوا إليها هيأها لهم أصحاب الفكر التكفيري. هؤلاء اليائسون شعروا بدنو أجلهم  فأصبحوا أشد فتكاً ووحشية.
أمام هذه التطورات لم يعد بإمكان أحد سوى من اتخذ قراراً بأن يبقى على حماقته أن يغطيه أو يموه عليه، وحتى تحد تلك الدول من تداعيات الإرهاب تداعت إلى ما يسمى بمؤتمر اللاجئين لتقدم كل دولة «عرض حال» عن معاناتها وما تتكبده من أكلاف من الناحية «الإنسانية» بينما الهدف الحقيقي هو إبقاء الوضع على ما هو عليه من خلال دعم الدول التي اختنقت بهم ريثما يحين الوقت لإعادة إرسالهم إلى سورية كما بعد تحقيق أهداف العدوان عليها، ومن هنا نفهم كيف حصلت تركيا على الحصة الكبرى وهي 6 مليارات ونصف المليار للانفاق على اللاجئين بواسطة «بطاقات الائتمان» لضمان وصولها إليهم، ولتعزيز الحدود التركية مع أوروبا التي اضطرت لتسوير حدودها بأسوار حديدية, ومثلها دول أخرى كانت قد فتحت حدودها لإرسال الإرهابيين من جهة واستقبال النازحين من جهة أخرى, وكل حسب حصته في الحرب ومخطط التقسيم.
في المقلب الآخر كانت سورية تحسم أمرها وتواجه العدوان وأدواته وطبعاً مع محور الدفاع عنها وفي مقدمته روسيا.
لكن التواصل السياسي لم ينقطع بين روسيا وأميركا لإيجاد مخرج سياسي وإنساني من الأزمة وكانت المفاوضات التي بدا أن روسيا خدعت فيها عدة مرات من اللعبة الأميركية وآخرها خديعة دير الزور، لهذا قررت مواجهة حرب الاستنزاف والمخادعات وشراء الوقت بضرورة الحسم في حلب, بل وفي كل الميادين، وهو الحل الذي لابديل عنه، إلى أن وصل الأمر إلى حلب التي يعرف الجميع أنها المدينة الأكثر أهمية على الخريطة السورية وهي التي ستحدد ملامح الخريطة السورية، ورسم جغرافيا السماء منها، بحيث لا يسمح بتحليق أي طائرة بعد الآن إلا بموافقة قيادة سورية وحلفائها.
إن ما تقدم رد على المتباكين الذين اعتبروا ان كل الحرب طوال خمس سنين ونيف وما أحدثته من تدمير وقتل وتشريد «في كفة» ومعركة حلب وحدها في الكفة الأخرى.
اذاً.. فاللعب اصبح على المكشوف، وسيصبح مكشوفاً أكثر في المراحل اللاحقة التي ستطهر كل الأرض السورية من الإرهاب وهذه هي قواعد الاشتباك, دون الالتفات إلى العويل الذي تضج به المحافل الدولية وتبثه الفضائيات وكل الوسائل الإعلامية المأجورة التي لم تعد إلا صدى في واد.
هذا الحسم أيضاً بدأ يفعل فعله في تغيير مواقف الشعوب المضللة في كل أنحاء الأرض التي بدأت تستفيق على الحقيقة ومعرفة المخطط والمعتدين بأدواته وداعميه. أما الأنظمة ومؤسساتها السياسية والإنسانية فلم يعد أمامها إلا أن تعد ما تبقى لها من أيام، ولذلك فإن كل ما تفعله هو إبعاد الخطر عنها قدر إمكانها. فهذه الأنظمة سواء كانت مؤسساتية أم فردية بدأت تتهاوى اقتصادياً ونعني هنا أميركا التي شهدت عجزاً غير مسبوق في تاريخها في الأشهر التسعة من هذه السنة ما يتعدى 6 تريليونات دولار، ومن المتوقع أن يزداد بعد أن تتخلص الصين واليابان من سنداتهما واستثماراتهما. وكذلك عجز اقتصاد الدول الأوروبية التي لم يعد إنتاجها من غير الأسلحة كافياً لإنقاذ موازناتها، ثم العجز في دول النفط التي أهدرت أموالها على التسلح والحرب على اليمن التي هزمت فيها، إضافة إلى ما سيعانيه آل سعود من (الجاستا) التي قصمت ظهر البعير السعودي وأظهرت الموقف الحقيقي من المملكة الإرهابية من خلال مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين وما سيحدثه هذا من تداعيات في تمويل الإرهاب وإعلامه وشراء الضمائر ومصادرة السيادات والقرارات، وهكذا لم تحصد سوى خيبات الأمل والمزيد من كراهية العالم لها واشمئزازه منها.
إن ما يحدث هذه الأيام هو في الأساس رؤية القيادة السورية، أي «الحل السياسي مع أولوية القضاء النهائي على الإرهاب» وقد تم عبر مراحل مخطط لها بإحكام، وآخرها الهجوم البري الواسع لتطهير حلب وأريافها من سيطرة الإرهابيين الذين كانوا يتحكمون بنحو 40% من حلب و60% من أريافها في مختلف الجهات، بالقضاء عليهم نهائياً، بعد أن قدمت نموذجاً في إفساح المجال أمام من حمل السلاح من السوريين المغرر بهم لتسليم أسلحتهم والعودة إلى حضن الدولة. وما هذه المعركة الأسطورية إلا تمهيد لما يليها من المراحل لتحرير كل الأرض السورية في بقية معاقل الإرهابيين وما أوصل الأوضاع إلى هذا الحسم هو الخديعة الأميركية التي كانت موجعة، لكنها حمقاء في آن إذ لم يعد بإمكان الروس أن يقبلوا «التذاكي» الأميركي، خصوصاً أن روسيا تتهيأ لأن تكون لاعباً كبيراً في العالم، لا يناسبها أن تبدو في موقع المخدوع، وإذا لم تنجح في سورية، فلن يكون بمقدورها أن تنجح في أي ميدان آخر.ولهذا قامت الخارجية الروسية بنشر بعض بنود اتفاق التهدئة ليدرك العالم أن أميركا دولة عصابات بمسمى مؤسسات، وأن من يخرق مثل هذه الاتفاق لا يحق له التحدث عن «الإنسانية» إضافة إلى أن روسيا لن تلدغ من الجحر مرتين أو ثلاثاً. ولهذا غطت الطائرات السورية والروسية سماء حلب وأريافها مستهدفة أوكار الإرهابيين الذين عمدوا إلى استخدام الأهالي كدروع بشرية، ليظهروا أن «القصف» يستهدف المدنيين، لكن المراقبين العسكريين يستطيعون بكل بساطة كشف مثل هذه الترويجات.
لقد بدأ العالم يسلم بأن التغييرات ستكون جذرية وأن التحولات خطرة، وأن ما بعد حلب ليس كما قبلها، فهذا العالم حتى ولو تباكى على المهزوم فإنه بالتأكيد لم يعد يصدقه أو يعتمد عليه، فلقد تغيرت المسارات بحيث لم تعد أي قوة قادرة على حرفها أو التحايل عليها، وشارف المخطط التقسيمي على لفظ انفاسه الأخيرة. ولن تجدي معه أي عملية إعادة تسليح لا بصواريخ مضادة للطائرات ولا «غراد» ولا بدبابات ولا بأي سلاح، ولا دعوات أوباما لوكالات الامن القومي لـ«بحث جميع خيارات» التعامل مع الأزمة في سورية، فهذا سيوسع رقعة الحرب ليشمل المنطقة بأكملها إن لم نقل الى حرب شاملة ما زال العالم يتجنبها.

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed