آخر تحديث: 2020-10-01 18:17:05

آفاق.. المشكلة ليست المرآة

التصنيفات: رؤى عربية

يقال إن «القرد» إذا صادفته مرآة حطمها على الفور وفرّ هارباً، لقناعته بأنّ أيّ كسرة منها سوف تعيده إلى الحالة ذاتها غير المستحبة الّتي وضعته في مواجهة صريحة مع ذاته..
الإنسان بحكم انتسابه إلى الصّف الأعلى من هرم الطبيعيات، فمرآته حاضرة مع أيّ تفصيل أخذت الطبيعة على عاتقها إنتاجه أو كان صناعةً بيد البشر، أو كان حالة فردية لشخص ما، وتتعدد إيحاءات المرآة في تحدبها وتقعرها واستوائها، كلّ يرى انعكاسه فيها حسب ثقافته، جغرافيته، رؤيته، موقفه، دوره، انتمائه، حاضره، ماضيه، مستقبله، وهذا حق لكلّ إنسان مشروط بردود فعل بعيدة عن طبائع القرود، وإلّا كان مأزق الانتماء في انتظاره مع كلّ مواجهة تقوم بها المرآة..
الأحداث في سورية مرآة أعادت من جديد كشف تفاصيل مأزق الغرب في انتقاله إلى حيز البداية من القرن المعولم، والنتيجة تحالفت الأمركة مع الإسلاموية، وإلّا كيف لثقافتين متناقضتين في النظم والقوانين من التماهي في الأطروحات والمواقف إذا لم يتوافر شرط المأزق في أحد الطرفين؟!
ما تجمع عليه الأدبيات الإسلاموية برعاية آل سعود: أنّ الديمقراطية نظام مخالف للإسلام، حيث إنها تجعل سلطة التشريع للشعب، أو من ينوب عنهم كأعضاء البرلمان، وبناء على هذا يكون الحكم لغير الله، أيّ إلى الشعب ونوابه، والعبرة -كما يقولون- ليست بإجماعهم، بل بالأكثرية، إذ إنّ اتفاق الأغلبية من خلال ما تأتي به صناديق الاقتراع، يصبح قوانين ملزمة للأمّة، وبهذا تكون الديمقراطية هي صور الشّرك الحديثة في الطاعة والانقياد أو في التشريع، حيث تُلغى سيادة الخالق سبحانه وحقه في التشريع المطلق، لتصبح من حقوق المخلوقات، أمّا عند أيّ محاولة من الإسلام المعتدل لربط الديمقراطية بمفهوم الشورى، فإن الإسلاموية الوهابية لا ترى فيها سوى مفسدة جديدة، فالشورى تكون في الأمور المستحدثة والّتي لا يفصل فيها قرآنيّاً، أو سنّة من الأصل، كذلك فإن مجلس الشورى يجب أن يكون من الفقهاء، وليس من الشّعب، وقراراته -تؤكد الوهابية- بأنّها غير ملزمة للحاكم -الملك- الخليفة، لكونه هو من يمثل صاحب التشريع المطلق على الأرض، أمّا عن الحرية الّتي هي أحد إفرازات الديمقراطية، فإن الوهابية تربطها بانحلال الأخلاق، مثلما تربط حرية إبداء الرّأي بالمفاسد غير المقبولة في المجتمعات الإسلامية!.
اغتيال الكاتب والصحفي الأردني «ناهض حتر» في العاصمة «عمان» صباح الأحد 25/9/2016 أمام «قصر العدل» بكل ما يدل عليه اختيار مكان الاغتيال من دلالات تنفي عنه التصرف الشخصي كما يُروج لهذا، إذ إن المغدور كان متوجهاً لاستكمال محاكمته بتهمة الإساءة للذات الإلهية -الإله الوهابي الداعشي- طبعاً.
اغتيال «حتر» يكشف أكثر ليس عن مأزق ثقافة الأمركة وتحالفاتها وموقفها من الأحداث في سورية فحسب، بل عن مأزق اجتماعي في صفوف الطبقات الإسلاموية ذات البنية الهشة في تركيبتها الطبقية والعلمية، والباحثة أبداً عن تحطيم المرآة للهروب من مأزق «القردنة» بمزيدٍ من التشدد المدعوم بكلّ ما ظهر وخفي من الوهابية، هذا الاغتيال يماثل الأحداث في سورية، فكلاهما كشفا عن مأزق أشدّ خطراً وقردنة، مأزق من تعلمن لهدفٍ ما من مثقفي الضاد، واستطاعت أموال الوهابية أن تعيده إلى حضنها، لكن المرآة بقيت قائمة تهدد فضحه في كلّ وقت، وإلّا كيف نفسر موقف هؤلاء المثقفين السلبي من اغتيال «حتر» وموقفهم من أن الإسلاموية ثورة غايتها الديمقراطية، وإذا كانوا منسجمين مع ما يدّعونه من علمانية، فكيف تناسوا -مع الغرب المتأمرك- بأنّ تشابه الشعارات مع الضّد «الرجعي» في المرحلة التاريخية نفسها، يحتاج إلى إعادة النظر فيما يُطرح على أنّه شعارات تقدميّة، وكيف تناسوا أن المشكلة ليست في المرآة، وأنّ جلّ غايتها تكمن في مواجهة صريحة مع الذات لتجاوز مأزق القردنة.
fatehkalthoum@gmail.com

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed