آخر تحديث: 2020-11-24 08:32:56

النهج “الإخواني”.. كمشروع تفكيك خادم للأطماع التركية

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

يكتشف المتابع لسيرة جماعة “الإخوان المسلمين” أنها تستّرت بفكرة الأممية المبنية على وحدة الدين لمناهضة انتماء أبناء شعبنا في العالم العربي لمجتمعاتهم وأوطانهم، فتاجرت عبر ورقة «عالمية الدعوة» لنفي الانتماء القومي، وسعت جاهدة إلى تشويه سمعة الدعوات والأفكار التي تُجذّر من انتماء الفرد إلى أرضه، كما تابعت على النهج نفسه لهدم أي محاولة لتوحيد أبناء الأرض العربية في كيان واحد، وكما هو معلوم فمن دون تماسك أوطاننا ووحدتنا كعرب، فإننا نصبح جميعاً وجبة دسمة تثير شهية أي قوة طامعة.

والحقيقة أن هذا النهج الإخواني الذي امتطى ظهر العاطفة الدينية ووظفها لم يكن يستهدف عملياً سوى خدمة «القومية التركية» وقد كشف هذا الهدف عن نفسه تماماً في العقود الأخيرة، أي إن تلك الجماعة لم تكن تبتغي أي شكل من أشكال العالمية، حسب زعمها، بل استهدفت إضعاف ثقة العربي بذاته، لمصلحة التركي، وحكمت على وطنيتنا نحن وقوميتنا نحن “بالكفر والتحريم”، وكان هذا تمهيداً لقبول “سيادة الأتراك” على المنطقة، عبر توفير المقومات النفسية والفكرية لذلك.

ويمكن أن نستدل على ذلك ببساطة عبر الإشارة إلى تركيز مفكري “الجماعة” على تمجيد ما يسمى «الخلافة العثمانية» وليس أي «خلافة» أخرى كان مركزها الوطن العربي كالفاطمية أو العباسية أو الأموية، ثم عبر رصد هوس أعضاء “الجماعة” بدراسة اللغة التركية وولعهم بالتاريخ التركي ومتابعتهم المكثفة للفن التركي، رغم تحريمهم للفنون فيما مضى، بما يكشف أننا بصدد “جماعة” غير عالمية وأبعد ما تكون عن أي طرح ديني أممي، وإنما جماعة شوفينية بامتياز لكنها «شوفينية العبيد» أي إنها تشبه الشخص الذي يُفتتن لدرجة التعصب لكن ليس بوطنه وتاريخه وإنما بوطن آخر وتاريخ لا يخصه.

وإن كانت الشوفينية فعلاً رجعياً ويتسم بالحماقة عموماً، فإنه في هذه الحالة يتسم بالرجعية والحماقة مضافاً إليهما المهانة ومذلة النفس.

ولقد أحسن العثمانيون الجدد في تركيا استخدام “الإخوان” لتحقيق مآربهم التوسعية التي تستهدف جميع البلدان العربية، بما يتفق تماماً مع الأجندة الغربية، كما استخدموهم أيضاً في مناطق مشتعلة لخدمة أغراض أمريكية، كما حدث في أفغانستان والقوقاز ويوغوسلافيا أو في شينجيانج شمال غربي الصين.

وبعيداً عن ضبابية ولا واقعية فكرة الوحدة المبنية على مجرد الدين من الأساس، فإن المتأسلمين بدورهم آخر من يستطيعون تحقيقها، والسبب هو ببساطة أفكارهم الطائفية والمذهبية والمتعصبة، والتي ستنتهي بهم إلى “تكفير وتفسيق وتبديع” شركائهم في الدين ذاته، أي إنهم بذلك ليسوا فقط دعاة تخريب وتفكيك على المستوى الوطني، وإنما على المستوى الثقافي الديني أيضاً، وهذه نقطة رغم وضوحها إلا أنه يتم تجاهلها في العادة.

فحتى إقامة علاقات تضامنية وتآزرية بين الدول التي يشكل الدين نفسه جزءاً مركزياً في ثقافتها، تحتاج إلى انصراف عن العقليات الدينية المتعصبة وقدر من التفكير العملي والقائم على المصلحة، لكن العقليات المتزمتة تفكر وفقاً لمذهبها وفقهها الخاص، وبالتالي ستجر العلاقات من دوائر التعاون المفترض إلى دوائر النشاط التبشيري أو التناكف والصراع، كما أن التعصب لا يمكّن صاحبه من التفكير بشكل واقعي وعملي، وبالتالي هيهات له أن يدرك أهمية التكتل والتضامن، وسيفضّل الإخلاص لما يعتقد «أنه خلاصه في الآخرة» على حسابات الدنيا التي تشترط البحث عن المشتركات والتكاتف من أجل حياة أفضل اتساقاً مع معطيات الأديان ذاتها.

كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed