آخر تحديث: 2020-08-03 12:38:44
شريط الأخبار

«كورونا».. الجغرافيا كنسق دلالي

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

منذ القديم اختار الفيروس أن تكون جغرافيته هي الخليّة، وما عداها ليست سوى “استراحة مقاتل” أو ترقّب في قاعة انتظار أو تصيّد فرص التسلل إلى غرفة عمليات الخلية.

لكن وعلى الرغم من أنّ بيئة الفيروس هي الخلية إلاّ أنّه يتأثّر أيضا بالعوامل الجغرافية. لا يوجد شيء اعتباطي بالنسبة إلى جُزَيْء نانوي “يدرك” أنّه غير مسموح له بأن يُخطئ، فهو حتى في مهاجمته للخلية لا يفعل ذلك بطريقة عشوائية بل يسلك أساليب ماكرة، فهو لا يحافظ على بيئته فقط بل يثأر منها ويخرّبها عند إنهاء مهمّة التكاثر.

ثمّة بؤرة جغرافية ستكون في البداية ملائمة لانتشار كورونا، لكن سرعان ما سيتمدّد في اكتشافات جغرافية جديدة، لكنه أيضاً غير قادر على احتواء الجغرافيا كلّها، وعلى الرغم من أنه استطاع أن يطوّر من مناعته إلاّ أنّه لا زال رهينة للتغيرات المناخية والتوزيع الطبيعي للمجال.

حتى وقت وجيز -وسيظلّ الأمر كذلك لفترة طويلة- كانت نظرة العالم إلى كورونا ككائن “منحدر من الشرق الأقصى”، فقد مُنح هوية وجنسية كسلسلة من الفيروسات المتطورة. لم يكن الهلع قد اكتسب صورة عالمية حين فتكت السلالة القديمة للفيروس التاجي بالكثير من الضحايا.

منذ أجيال اجتاح النسيان الغرب الذي كان حتى العصور القريبة عُرضة للطاعون والأوبئة، لقد تعاطى اليوم مع كورونا كما لو كان الأمر يتعلق بصدمة، وقد اقتنع الإنسان الغربي -الذي ذاكرته حبلى بأخطر صور الوباء في التاريخ- بأنّ الطاعون رحل عن القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية وبات شأناً آسيوياً وإفريقياً، غير أنّ ثأر الجغرافيا يظهر من جديد، فكورونا يعيد تشكيل الجغرافيا في مهمّة سرّية دقيقة، لكنها مربكة للنسق الدلالي لجغرافيا النظام العالمي القديم، وهنا خطورتُها.

لقد تطوّر علم الجغرافيا واحتلّ له مكاناً أثيراً في سائر الحقول، بما فيها الطّب، ذلك لأنّ «جغرافيا الطب» باتت اختصاصاً قائماً بذاته ساهم في ربط المرض والوباء بالبيئة.. نستطيع بناء عليه الحديث عن «مرض المكان» فثمة أمراض وأوبئة ترتبط بالبيئة ذات الحرارة المرتفعة وأخرى خاصة بذات الحرارة المنخفضة والرّطبة.

تُعنى الجغرافيا الطبية بدراسة الحالات والظواهر الصحية في البيئات المختلفة، وهنا أصبحت الجغرافيا حقلاً أساسياً في تشخيص المرض وخلق البيئة الملائمة للصحة البشرية.

ولازالت الجغرافيا الطبية كجزء من الجغرافيا البشرية وفرع من فروع الجغرافيا التطبيقية تسعى لدراسة علاقة الإنسان بالبيئة والتوزيع الجغرافي للأمراض والأوبئة. إذا كان هذا هو موضوع الجغرافيا الطبية فإنّنا في سياق جائحة كورونا سنواجه تحدّياً جديدا للفكر الجغرافي لاسيما أنّنا حتى الآن لا نمتلك رؤية جغرافية دقيقة تساعد على كبح الوباء، فحتى الآن يجري التعامل مع الفيروس التاجي بمنطق مختبري بعيداً عن أي قيمة مضافة للجغرافيا الطبّية ما عدا محاولات يفرضها التحدي الجديد القادم، وهي في البدايات، فالتوزيع الجغرافي يكشف عن انتقال بؤر الوباء بين الدول والقارات، بين البلدان ذات الحرارة المنخفضة أو المناطق الحارة بشكل لا يسمح بالتمييز.

لا أحد يستطيع التنبّؤ بطبيعة انتشاره الجغرافي، لسبب بسيط أنّ لا أحد يستطيع التنبّؤ بمستوى توطّنه.

ونعتقد أنّ البيئة الطبيعية ليست وحدها من يؤثّر في الصحة، ولا حتى السلوك الصّحي وحده كاف لتفسير المشكلات الصحية في العالم، بل هناك البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل شريحة واسعة من المجتمع غير قادرة على الانخراط في الدورة الصحية وتمكينها من الدّواء الذي بات خاضعاً هو الآخر لاحتكارات الشركات الكبرى.

فسوق الدواء وسياسته لها علاقة أيضاً بمصير الصحة العالمية، إنّ البيئة الرأسمالية لا تؤثّر فقط على البشر بل على البيئة أيضاً.

ولم يشذ كورونا عن هذا الوضع، فلقد كانت هناك محاولات لجغرافيا الطب في رصد حركته حسب تقرير جامعة ميريلاند الأمريكية والذي أكد على أنّ كورونا ينتشر أكثر بين خط عرض 30 و50 درجة ومن ناحية الحرارة فهو ينتشر أكثر بين 5 و 11 درجة، ومن ناحية الرطوبة بين 47% و79%، وحسب التقرير أطلقوا على ذلك «حزام فيروس كورونا».

وظهرت دراسات كثيرة تؤكد على أن الفيروس لا يستطيع من خلال هذا الرصد المناخي أن يعيش في حرارة منخفضة تحت الصّفر، واستدلوا على ذلك ببلدان مجاورة للصين لم تشهد حالة انتشار واسع لكورونا، مثل تايلاند وفيتنام وكمبوديا.

لكن هذا يحيلنا إلى مستوى آخر من الرؤية، عن الجغرافيا كنسق وكمعنى وكنظام. إنّنا من ناحية أخرى مرتهنون لنسق جغرافي دلالي لا زلنا خاضعين لنوباته ومخرجات الأفكار المؤسسة للموجات الأولى للحداثة الجغرافية وغير آبهين بنهايتها لصالح موجة جديدة قد يعتبرها البعض ما بعد الحداثة وقد تكون بالأحرى تنويعة جديدة وموجة تقطع مع بعض نماذج الموجات الأولى للحداثة.

إنّ الحداثة التأسيسية راهنت على التنظيم العقلاني للمكان انطلاقاً من سيادة الإنسان المطلقة، لكن المنظور الجديد للجغرافيا يتجاوز الفلسفة التي أحاط بها الإنسان وجوده في المكان.

إنّ ثورة الموجة الجديدة للحداثة -إن صحّ القول- هي ثورة على كل النّسق الدلالي التاريخي والاجتماعي والجغرافي، إنها تعلن فشل الموجة السابقة التي قادت الإنسان نحو الضّحالة والانحطاط والباب المسدود والموت، إنه الفكر الجغرافي الذي يجب أن يتصالح مع الانقلاب الميتافيزيقي ومع رعيل دقّ ناقوس الخطر: «هيدغر، مدرسة فرانكفورت، ميشيل فوكو، دولوز» كما لفتت أنظار الكثير من المهتمين بالفكر الجغرافي في ثورته الجديدة. والجغرافيا الجديدة باتت مشرعة، وخارج المفهوم القديم، ترجّ منظومة القيم السابقة والرهانات القديمة والمفاهيم التي ارتكزت عليها الجغرافيا القديمة، ولا زال كورونا يعزز صرح الجغرافيا الجديدة، فهو يتجه ناحية خلق أشكال جديدة من التضامن العالمي على أسس تستبعد السياسة من مقاربة الصحة العالمية، وهو -أي كورونا– وحده يقاوم في الميدان ضد إمبريالية الوسائل القديمة في توزيع الصحة، إنه يفرض بقوة وسرعة انتشاره التخلي عن الأنماط الإمبريالية في تدبير المرض.

إنّنا نعلن بناء على هذه المؤشّرات نهاية الجغرافيا، وسيكون لأي تغيير يطرأ على نسقها الدلالي أثر على التوزيع القديم للنفوذ وعلى البنيات التقليدية للعبة الأمم.

كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed