آخر تحديث: 2020-08-05 13:13:35
شريط الأخبار

زمن الكورونا الـذكي

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تعتبر قصص استخدام الذكاء الاصطناعي من أكثر القصص انتشاراً في زمن كورونا.

فمن صور الروبوتات المتجولة في أروقة المستشفيات وشوارع المدن الصينية٬ إلى المؤتمرات والمحاضرات والتعليم عن بعد٬ وصولاً إلى الأخبار التي تتحدث عن تطوير لقاح للفيروس بواسطة هذا الذكاء الاصطناعي.

كما هو الحال في كل شيء يرتبط بعالم الفرجة الاستهلاكي٬ المسمى إعلاماً٬ يختلط الحابل بالنابل٬ والقليل من الصدق بالكثير من الأكاذيب والمبالغات، فهناك الاقتصادي الذي يسعى إلى رفع أسعار شركات التقانة والتواصل عن بعد لتعظيم أرباحه أو الحفاظ على استقرار الأسواق المالية ومنع انخفاض حاد في مؤشراتها.. وهناك السياسي الذي يقاتل كي لا يخسر حرب التقانة التي اندلعت مع بداية الوباء.. وهناك الإعلامي الباحث عن «خبطات» صحفية، ترفع نسب المشاهدة، وتزيد من حجم الإعلانات التجارية.

وسط هذا السيرك، تكاد حقيقة ما يحدث فعلاً على الأرض تختفي، لكن حقيقة أخرى تصبح يوماً بعد يوم أكثر وضوحاً.

في الفيلم الأميركي الشهير «Divergent- المختلف» يقوم الذكاء الاصطناعي بتوزيع الناجين في مدينة شيكاغو على مناحي الحياة الأربعة: «العلماء٬ مقدمو الرعاية، الصادقون، والشجعان» لكن قلة قليلة لا تنطبق عليها أي من الشروط فيعجز الذكاء الاصطناعي عن تصنيفها، فتسمى «المختلف» ويقع على عاتق هذا «المختلف» استعادة الحياة بشكلها الطبيعي بعد أن يُثبت أن الحرب والوباء اللذين اجتاحا البشرية، لم يكونا سوى مؤامرة حاكها بعض “الصادقين” للتحكم بالبشر.

ما إن يعتقد الجميع أن النصر قد تحقق، حتى يختار القادة الجدد الطريق نفسه الذي سار عليه أسلافهم، ليجد «المختلف» نفسه مضطراً للذهاب إلى الحرب مرة أخرى.

أحدث ما يقدمه لنا عالم الذكاء الاصطناعي، المطالبة باستعمال سوار التتبع الإلكتروني لمراقبة المحجورين، والتأكد من عدم مخالطتهم لمجتمع الأصحاء.

هذا السوار يُستعمل في الدول المتقدمة لمراقبة المجرمين والحد من حرية حركتهم. اليوم يُطالب المواطنون في الكثير من البلدان باستعمال التقنية نفسها مع مرضى كورونا ومخالطيهم، تحت دعوى حماية المجتمعات.

تساءل أحد الصحفيين الإنكليز متهكماً؛ “وكيف نتأكد من أن الأصحاء لن يذهبوا لزيارة أحبائهم من المرضى؟.. فلنضع للجميع سواراً ونربطهم على مقر “سكوتلاند يارد”.. تبدو الفكرة مستوحاة من فيلم من أفلام الخيال العلمي، إلا أنها اليوم قريبة جداً من التطبيق.

البعض الذي يرفض الفكرة، ويراها تتناقض مع مبادئ “الحرية الليبرالية”، يضطر للإذعان بوسائل أخرى. فالعمل والتعليم يَتُمان من خلال منصّات إلكترونية، لا تؤمن معرفة مكانك فحسب، ولكنها تمكن الأجهزة المعنية رؤيتك بشكل مباشر، وتسمح لها بالسيطرة الكاملة على ما سيتلقاه الطلاب من معلومات، ليتم تصنيفهم بعد ذلك، وتوزيعهم على مناحي الحياة المختلفة، حتى إذا كنت من غير المستفيدين من هذه المنصات، فهناك منصات أخرى لطلب المواد التموينية أو الدواء أو أي شيء آخر من احتياجاتك الحياتية، إذا تمكنت من الهروب من كل هذه التقنيات كما يفعل البطل المساعد في معظم أفلام الخيال العلمي، فعليك الاختباء بكهف من دون كهرباء أو هاتف ويُفضل أن تتنقل ليلاً لتتجنب الطائرات من دون طيار (الدرونز) التي تراقب الالتزام بحظر التجول في المناطق النائية.

«الأخ الأكبر» سيكون في كل مكان قادراً على المراقبة والتدخل في أي لحظة، لن يكون التدخل المباشر ضرورياً، فإذا تجاوزت الحدود المسموحة يمكن للذكاء الصناعي نفسه التدخل؛ فهو قادر على إطفاء محرك سيارتك واحتجازك فيها حتى تصل السلطات المختصة، أو توجيه صعقة كهربائية لجسدك من خلال سوار التتبع، بل يمكنه قتلك بواسطة طائرة من دون طيار إذا شعر أن مخالفتك تشكل تهديداً حقيقياً «للمصلحة العامة».

هذا الحلم الرأسمالي بالسيطرة على البشرية، وتحويل الإنسان إلى ترس يدور في عجلة إنتاج “حضارتهم”، آخذ بالتحقق.

الأغرب أن الإنسان المذعور داخل المجتمع الرأسمالي يطالب بهذه السيطرة، أما المعارضون داخل المجتمعات الرأسمالية، فهم الانعزاليون والفاشيون الذين يدعون إلى إغلاق حدود الأوطان، واللجوء إلى “مناعة القطيع”، ليكون البقاء للأقوى، يجد هؤلاء الانعزاليون زادهم الفكري، في أفكار الاقتصادي والمؤرخ البريطاني توماس مالتوس، الذي رأى في الحروب والأمراض والمجاعات فعلاً طبيعياً للحد من تزايد أعداد السكان، الذي يشكل بدوره ضغطاً على الاقتصاد ويؤدي إلى إنهاكه.

لقد رأينا مالتوسية جديدة تنهض مع تفشي وباء كورونا ليس في الغرب الرأسمالي وحده، ولكن لدى الكثير من القوى الفاشية في العالم الثالث، والتي اتهمت شعباً أو فئة أو طائفة بنشر المرض، ودعت إلى عزلها أو التخلص منها.

يتركنا عالم كورونا الذكي بين خيارين، إما “قطيع” تديره الأنظمة الرأسمالية بوسائلها التقنية، وإما “مناعة القطيع” المستعدة للتضحية بحياة الملايين لتثبت تفوقها.

رغم انشغال العالم بالوباء، إلا أن حروب الرأسمالية لن تتوقف، فهي كعادتها تسعى لتحويل الأزمة إلى فرصة، وشعوبنا هي الضحايا المفترضة.

الخلاص من هذا الفخ يكون عبر تعميم التقنية والتخلص من المبادئ التي غرستها الليبرالية، مثل حق الملكية الفكرية، يجب تأميم التقنية لتكون حقاً للشعوب، وأداة لها في الحفاظ على بقائها واستقلالها.

كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed