آخر تحديث: 2020-08-05 13:50:29
شريط الأخبار

«كورونا» وسؤال الرشد البشري

التصنيفات: رؤى عربية

حلّ «كورونا» في بيئة عالمية تعاني من وباء يصيب المعلومة في الصميم، فيروس المعلومة الزّائفة وإدارة المشكلات الدولية بالأزمات. لم يمنح كورونا الكثير من الوقت -نظراً لاستعجاله- كي يتسنّى لهم إنتاج مزيداً من العلاقات المشبوهة مع «كوفيد 19» في إطار لعبة الأمم، ولكن جزءاً من هذا التوظيف لا زال قائماً من دون أن نعوّل على آثاره المحتملة لأننا نعتقد أنّه يعمل في الوقت بدل الضائع من اللعبة.
لا بدّ من وجود لقاح ينهي هذه الكارثة، فلن يكون كورونا المستجد هو آخر فيروس متطور، سيُهزم قريباً ويُصبح جزءاً من التاريخ، وستظهر أشكال أخرى من الفيروسات المعدّلة بين الفينة والأخرى. وحتى وقت اكتشاف اللقاح المناسب ليس هناك من سبيل غير تطبيق الحجر الصحي.
تصور أنّ فأراً دخل إلى البيت ثم تسرب إلى بعض الغرف، سيكون من الأولى إغلاق باب الغرفة بدل تركها مفتوحة، محاصرة الوباء في حيز جغرافي هي بداية السيطرة عليه، وهذا سيمنح فرصة للخبراء في المختبرات العلمية لكي يواصلوا البحث عن اللّقاح في ظروف أقل كارثية.
إنّ سرعة انتقال الفيروس وتكاثره عامل ضاغط ، لكن في نهاية المطاف عادة ما يتم القضاء على الفأر المتسلل إلى البيت. إننا لن نبدأ من الصفر في تتبع آثار كورونا، فهناك تراكمات من التجارب الجارية والتي لم تنقطع حول «سارس» و«متلازمة الشرق الأوسط» وغيرها، إنّه سِباق مع الزمن.
ليس كورونا هو الفيروس الوحيد الذي يحصد الأرواح وإن جعلته الميديا في واجهة الكارثة الإنسانية، ولكن هذا لا يقلل من خطورته، فمن يلقون حتفهم بسبب أنواع الفيروسات المقدور عليها من شريحة واسعة من الناس والتي تتوفر على لقاح هم أكثر من ضحايا كورونا، إنهم يموتون في صمت ويُدرجون ضمن أرقام الوفيات بأمراض مختلفة تقدر بالآلاف.
هل هذا يعني أن كورونا مثله مثل سائر الأوبئة لا يستدعي حالة الاستنفار والطوارئ العالمية؟.. كلّا، لأن كورونا تكمن خطورته في أنه فاجأ العالم بطفرته الجديدة، وأصاب البشرية بصدمة كبيرة، وناور بما فيه الكفاية لكي يمرّ إلى العالمية بعد أن كانت الأوبئة السابقة تكاد تكون شأناً لجنوب وشرق آسيا.
بعض الدول مثل أمريكا فضلت الاقتصاد على الصّحة قبل أن تضطر إلى التعامل مع الوباء بالجدية اللازمة، إنها هستيريا دولية بامتياز.
ويُلاحَظ أن كورونا أضعف ملكة التّوقّع والقدرة على رسم سيناريوهات مقنعة، لقد أصاب البشرية بالذّهول، والجميع بات في حالة انتظار، ليس إلاّ الانتظار.
وكما ذكرنا سابقاً، فإنّه من السهولة نسج قصص من الخيال وحبك سرديات من خارج الذّوق العلمي، كل شيء اليوم ممكن وليس كلّ شيء محسوم.
ساهمت الإدارة الإعلامية لأزمة كورونا في تعزيز حالة الاستنفار، وحتى هنا كان الأمر ناجعاً حيث لم يتم تجاهل الوباء، غير أنّ قسماً من المعلومات المتضاربة شكّلت أيضاً عنصر تشويش على تدبير الأزمة سيضطرّ دولاً لسنّ قوانين تجريم الإشاعة ومتابعة أصحابها قضائيا نظراً لما تخلفه من آثار سلبية على النّاس، فالمجتمع في حالة رعب وذهول وينطوي على هشاشة السيكولوجيا الجماعية.
ستضطر البشرية اليوم لأن تستعدّ وتتهيّأ للتعامل مع مستقبل زاخر بالفيروسات المعدّلة، ولقد بلغت الرأسمالية سقفها التاريخي وآن لها أن تنفتح على مزيد من السياسات الاجتماعية، لقد فرض كورونا سياسات اجتماعية وأظهر بما فيه الكفاية بأنّ الرأسمالية لا تملك خطة لإدارة الأزمات التي تنتجها أنماطها، ففي نهاية المطاف فإنّ اللاّعب الأساسي اليوم هو الدولة ومؤسساتها.
سيواجه الإنسان في المستقبل أشكالاً من الحروب ضدّ الفيروسات والجراثيم، وهو نمط الحروب القادمة بغضّ النظر عن مفهوم الحرب البيولوجية، فالنكبات والأمراض والأوبئة لن تبقى محصورة في المناطق المنكوبة في إفريقيا وآسيا بل ستطول البؤر “الأكثر تقدماً” في العالم.
إننا نعيش تاريخ ما قبل «باستور» فالطاعون حلّ في أوروبا وأمريكا، ونحن اليوم لا نتحدّث عن لقاح لكورونا ولكننا نتحدث عما بعد اللقاح، أي تلك السيناريوهات التي تؤكد أنّ البيئة البشرية باتت على وشك الدخول في منعطف حرب شاملة مع الأوبئة ومفاعيل الاحتباس الحراري، وهي حرب لا حدود لها ما دامت عملية التطور هي مهنة الفيروس، وما دمنا لا ننتج لقاحا لاحتواء الأشكال المعدّلة الممكنة.
يتعين أن لا ننتظر العودة إلى العادات القديمة، بل المطلوب، إن كنا بالفعل نريد أن تستمر الحياة على هذا الكوكب، أن نتغيّر حتى مع اكتشافنا اللقاح. هي مهمّة صعبة، وهذا طبيعي حيث لا يملك الصّبيّ تصوّراً عن المستقبل حين يواجه الفطام بالبكاء، ولكن هذا ما تفرضه البيئة وهي تثأر لنفسها لتمنح الطبيعة استراحة وتخفف الضغط عن طبقة الأوزون.
لقد اتُّخذت تدابير صارمة لمواجهة هذا الوباء، وهذا على أهميته في السيطرة على المرض هو إجراء يرتبط بالصحة العامة وفي سياق الوقاية الممكنة من وباء لا حدود له إذا لم تُفرض حالة طوارئ صحّية، لكن ثمة مهام أخرى أبعد مدى تنتظر البشرية وهي كيف تواجه استحقاقات المستقبل بشجاعة من أجل الوجود، كما أنّ الرأسمالية ستنسحب من كل التزاماتها لصالح حلول اجتماعية تستند إلى التقاليد والهياكل القديمة، ما يعني أنّ مفهوماً جديداً للعدالة يرتبط بإلحاحية وجود عقد جديد حول العدالة يأخذ بعين الاعتبار قوة المؤسسة كما نحا جون راولز (عالم أميركي من أعلام الفلسفة السّياسيّة المعاصرة).. وأيضا تراعي التقاليد والخصوصيات الثقافية كما نحا أمرتيا صن (عالم اقتصاد وفيلسوف هندي).
وفي كلّ الأحوال فإنّ كورونا الذي سيحطّم جدار الكبرياء الرأسمالي ويخفف من الأنانيات سيكون أفضل مدخل لربط تعاقداتنا بحجاب الجهل الأوّل أو اللحظة التأسيسية، تلك التي ستمنح الطبيعة امتيازاً جديداً لفرض شروطها على أساس ينقلنا من التعاقد إلى عقد إذعان طبيعي يفرض هذه المرة دفتر تحمّلات حرجة على السلوك البشري، وحينئذ فقط نكون في الطريق الممكن للرشد البشري بعد تاريخ من المراهقة الرأسمالية، وذلك ما تكشف عنه النّكبات.. لقد أدخل كورونا عصرنا إلى التّاريخ كمنعطف حاسم في ذاكرة التّحوّل، ستتّضح الصورة أكثر حينما نقرأ حاضرنا في عين المستقبل يوماً كفصل من أكثر فصول الهمجية رعباً في تاريخ النوع.
كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed