آخر تحديث: 2020-05-25 10:52:18
شريط الأخبار

الرأسمالية البيو ـ سياسية

التصنيفات: رؤى عربية

لعل البعض يرى أن مصطلحات من قبيل البيو- سياسي «Bio politics» والقوة الحيوية ««Bio power تحمل بعض المبالغة، أو إنها على الأقل ما زالت بعيدة عن مفردات الصراع في منطقتنا التي ما زالت تناضل في سبيل حقوق أكثر بساطة، كالاستقلال وفك الارتباط بالمركز الرأسمالي.

لو حاولنا الاقتراب أكثر من هذين المصطلحين الذين وضعهما ميشيل فوكو عام 1976 لوجدنا أن البيو- سياسي، يعني العقلانية السياسية التي تتعامل مع الحياة والسكان كموضوع، من حيث «الاستمرار، الانتهاء، المضاعفة، ووضع الحياة ضمن نظام محدد».

أما القوة الحيوية فهي السلطة المستخدمة لفرض السياسة الحيوية على المجتمع وضمان استمرارية عملها.

تعمل هذه القوة الحيوية «من الأسفل» أي على المستوى الأولي للحياة نفسها، وهي تختلف جذرياً عن القوة التي سادت قبلها والتي امتلكت الحق القانوني «لإنهاء الحياة أو إبقائها» أما القوة الجديدة فأصبحت تمتلك الحق «بالسماح بالحياة أو منعها».

لقد أصبحت الحياة نفسها موضوعاً في سياق «فكر الوضعنة» (Subjectivization) الذي يشكل واحداً من معالم اللوحة الرأسمالية المرسومة أمامنا اليوم.

لم تعد الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية تشكل تهديداً يُذكر إذا ما قورنت بالتقنيات الحيوية التي يتم تطويرها في مراكز الأبحاث والمختبرات التي تنتشر في دول المركز الرأسمالي.

لقد تجاوز هذا النشاط الكائنات الحيّة الأخرى كالنباتات والحيوانات، وهو اليوم يطرق باب الكائن الحي الأرقى، الإنسان، هذا الإنسان أصبح موضوع التجربة، سواء في الدراسات الاجتماعية الهادفة إلى تغيير سلوك المجتمعات، أو الدراسات العلمية المخبرية التي تتلاعب وتعدّل في الصفات البيولوجية لهذا الإنسان.

يوضح فوكو الأصل الذي نشأت منه هذه القوة الحيوية، ويعيده إلى القرارية (Decisionism) كما عبر عنها كارل شميت من أنها تعني السيادة، فليس المهم محتوى القرار المُتخذ نفسه، لكن التأكد أن من اتخذه هو المؤسسة أو الشخص المناسب، وبالوسائل والآليات الصحيحة. لقد استخدم شميت هذا المفهوم لتبرير الكثير من السياسات النازية.

وعاد هابرماس ليضع هذا القرار بيد المركز الرأسمالي، الذي يدعي أنه “يمتلك من الضوابط الأخلاقية ما يؤهله للتلاعب بالبشر”، وذلك في سياق تبريره لإمكانية استخدام الاستنساخ على البشر.

يشير فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة- Discipline and Punish» إلى أن قوتين مستقلتين غير متناقضتين ظهرتا في سياق تطور المجتمع الرأسمالي ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر.

القوة الأولى هي قوة المراقبة أو فرض النظام، أما القوة الثانية فهي تركز على البشر بصفتهم كائنات حية تشكّل موضوعاً للحضارة، تعمل هذه القوة من خلال التدخل في العوامل البشرية مثل: توزيع السكان، معدلات الولادة، معدل الوفيات، معدل الأعمار، المستوى الصحي، ودراسة المتغيرات التي تؤثر عليها ومحاولة التحكم بها. مع تقدم التقنيات وتسارع تطورها أصبح من الضروري دمج القوتين بهدف إخضاع الكائنات البشرية وتوظيفها في تحقيق شروط نمو الاقتصاد الرأسمالي.

لقد كان هدف هذا الاندماج السيطرة على البشر وإدخالهم في آليات الإنتاج وتعديل جميع الظواهر المرتبطة بوجودهم الحيوي بما يخدم العملية الاقتصادية.

في هذا السياق نستطيع فهم الكثير من الظواهر التي تحيط بنا، مثل المجازر الضخمة التي ترافق الحروب، ارتفاع أسعار الكثير من الأدوية الضرورية لبعض الشعوب (علاجات الإيدز في إفريقيا على سبيل المثال) ضعف البحث العلمي حول الأمراض الاجتماعية والطبية التي تتعرض لها المجتمعات الأكثر فقراً، تغذية النزاعات والحروب في الدول الفقيرة، وتشجيع الإنفاق على التسلح على حساب التنمية المحلية والإقليمية، والحروب التجارية، وانتشار الأوبئة مثل (إيبولا وسارس) وأخيراً كورونا.

«لا تُخاض الحروب اليوم بين الأعراق المختلفة، لكن العرق الذي يتم تصويره على أنه العرق الحقيقي، لأنه يمتلك القوة التي تخوله بتعريف الصواب، يشن الحرب ضد أولئك الذين ينحرفون عن هذا الصواب، هؤلاء الذين يشكلون تهديداً للإرث البيولوجي».

هذا “الصواب” اليوم هو “الديمقراطية الليبرالية، واقتصاد السوق الحر”، أما “العرق الحقيقي؛ فهو العرق الأبيض الذي يعيش على جانب المختارين من الجدار”.

ما يواجهه الكادحون اليوم يتجاوز الإفقار واستغلال قوة العمل، ليصل إلى تهديد الكيان الإنساني بمفهومه الفيزيائي البحت، فكما الحيوان والنبات اللذان أصبحا موضوعاً للتجارب العلمية التي ترفع الإنتاجية وتمارس عمليات انتخاب علمي (بديلاً عن الانتخاب الطبيعي) فإن الإنسان نفسه أصبح موضوعاً للعلوم الحيوية، يختلف مستوى التهديد بين المركز والأطراف، فالكادح معرض لخطر أكبر لأنه لا يجد من القوانين في بلاده ما يحميه من التحول إلى موضوع لتجارب العلوم البيولوجية وتقنيات الأسلحة الحديثة.. بل إن هذا الكادح بتحوله إلى فأر تجارب، يحقق مصلحة العامل الذي يعيش في المركز.

إن الرد على الذين يقولون إن مقولات النضال والاستقلال وفك الارتباط “أصبحت من مخلفات التاريخ” واضح وقاطع، فالبرجوازية الوطنية والثورة الديمقراطية الاجتماعية والتنوير هي التي اختفت من الواقع، ابتلعتها الرأسمالية لأنها لم تعد ذات فائدة في عصر العولمة، فالرأسمالية قادرة على الوصول إلى أي مكان في العالم سواء من خلال الطائرات من دون طيار «الدرون» أو منظمات المجتمع المدني NGOS»» أو الشركات المتعددة الجنسيات، أو الحضور المباشر على الأرض.

لم يَعُد لما يسمى رأس المال الوطني أي دور وطني، فهو في أحسن حالاته وكيل للرأسمالي الحقيقي، وحتى التنمية الموعودة بشكلها الرأسمالي لم تعد ممكنة أو كافية.

التطور الرأسمالي لا يتناقض مع حقيقة أننا نعيش «خريف الرأسمالية» لكنه خريف من دون تضامن الشعوب لإسقاط هذه الرأسمالية البغيضة، فالشعوب في المركز أصبحت مستفيدة من الرأسمالية، وغير قادرة على تلمس طريقها للخروج من هذا النظام، أما في الأطراف فنضالات الشعوب متفرقة ومشتتة. والفرصة اليوم متاحة لتحقيق حلم سمير أمين الأخير في بناء أممية العمال والشعوب التي يشكل محور المقاومة نواة مناسبة لتشكيلها والتي تدق المسمار الأخير في النعش الرأسمالي.

يقول سمير أمين: «إن بناء أممية العمال والشعوب يجب أن يكون الهدف الأساسي للمناضلين الحقيقيين المدركين للطبيعة البغيضة للنظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي الذي نواجهه اليوم، وإنها لمسؤولية ثقيلة، ومهمة سوف تستغرق سنوات قبل أن تعطي نتائج ملموسة».

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed