آخر تحديث: 2020-08-11 02:32:15
شريط الأخبار

حصيلة «كورونا».. العولمة الاقتصادية تتراجع.. وسلطات الدولة تتعزز.. وانتشار محتمل للشعوذة

التصنيفات: رؤى عربية

من المؤكد أن الأجواء والإجراءات المصاحبة لحالة الفزع التي تنامت خلال الفترة الماضية على الصعيد العالمي نتيجة لانتشار وباء كورونا، ستتسبب في آثار سياسية واقتصادية واجتماعية، البعض يرشحها لأن تكون بمنزلة زلزال فوضوي، والبعض الآخر يقلل منها، معتبراً أن ما سيجري سيكون تغييرات في الرؤى الحاكمة للعالم لكن بشكل ناعم وغير صادم.

على الصعيد السياسي ربما نلمس استعادة للإيمان بأهمية الدولة ومؤسساتها والأملاك العامة التي تديرها على حساب تراجع في الرؤى التي سادت لعقود مضت ودفعت نحو تهميش الدور الحكومي في الشأن العام وإطلاق العنان للمال الخاص، فمع حدوث أزمة الفيروس، بدأ المزاج الشعبي العالمي يؤمن بأن قوة الدولة شيء أساسي، وأن المجتمع لا بد له أن يرتكن إلى مؤسسات جادة تملك ما يؤهلها للتصدي لأي أخطار، وأن الاعتماد على المبادرة الفردية من المؤسسات المالية الخاصة هو وهم كبير، وبالتالي بدأت الحكومات تشعر بأهميتها أكثر وتعزز شرعيتها المعنوية، خاصة مع نجاح الحكومة الصينية اللافت في تحجيم انتشار العدوى، بل قدرتها على التعافي السريع إلى حد تقديم الدعم لغيرها.

وربما تلك النزعة تتماشى مع صعود بعض الاتجاهات السياسية والاقتصادية في عدد من الدول الغربية، ومن باب قريب جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفعيل قانون الإنتاج الدفاعي ليجبر عبره شركة «جنرال موتورز» على توفير مستلزمات طبية مثل أجهزة التنفس، وهو قانون يعود لزمن العدوان الأمريكي على كوريا الديمقراطية في مطلع الخمسينيات.

في الشأن الاقتصادي، وبالتماس مع الشأن السياسي، ربما نشهد حالة من ضعف مناخ العولمة الاقتصادية، وهو الشيء القائم بالفعل حالياً بسبب توقف حركة الطيران بين الدول وتنامي حالة الرهبة من الأجانب بشكل لافت باعتبار أن «كل وافد هو حامل أو ناشر محتمل للمرض».. في هذا الإطار يشيع كلام، يُنسب لخبراء سياسيين عن ربط هذا الوضع بضغوط «يمينية محافظة» في العواصم الغربية تطالب أيضاً بسياسات حمائية و«قومنة» للاقتصاد، ويأتي هذا بالتزامن مع بروز قوة الصين الاقتصادية بالشكل الذي جعلها توصل بضائعها للعالم كله، وتخترق السوق الأمريكي بدرجة أزعجت البيت الأبيض إلى حد فرض عقوبات عليها.

أي إن الرأسماليات الغربية التي شنت الحروب وموّلت الغزوات وتآمرت على حكومات بهدف جعل العالم قرية صغيرة تنتقل فيها بضائعها، أصبحت مهددة بفقدان الميدان لصالح القطب الآسيوي الصاعد بقوة، خاصة بعد مخططات طريق الحرير الجديد الذي سيوصل المنتجات المصنوعة في الصين بطريقة أسهل للعالم كله.

ثمة شق اجتماعي آخر يدور حول أن إحساس الناس بالهلع من انتشار كورونا مع تأخر العلماء في اكتشاف لقاح له، قد يوفر الأرضية لانتشار الأفكار الاتكالية والمعادية للعلم والحداثة، كما قد يؤدي لانتعاش الأفكار الرجعية السلفية، مع إفساح المجال للمشعوذين والدجالين سواء من يمررون أفكارهم عبر بوابة دينية أو عبر بوابة خرافية محضة.

الحقيقة أن الفيروس ربما أصبح مادة خصبة للاستغلال السياسي والديني، ففي أول الأمر تم استخدامه كأداة للإساءة إلى الشعب الصيني والتحريض ضده، ثم بعد انتشاره العالمي، يستخدمه بعض رجال الدين من مختلف الديانات كأداة للتخويف والترهيب وإعادة الناس إلى حظيرتهم، والعجيب أن المشترك بين جميع هؤلاء «الوعاظ» هو استخدام الطريقة ذاتها وإرجاع الفيروس إلى أسباب ما ورائية، رغم اختلاف المضمون تبعاً لكل ديانة.. بينما الصواب أن نتسلح بالإيمان بقدرة البشرية على تجاوز تلك الأزمة مع الأخذ بالأسباب والحفاظ على المعنويات المرتفعة، وحث العلماء على التكاتف والتضامن الأممي في مواجهة هذا الوباء.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed