آخر تحديث: 2020-05-29 19:55:49
خبر عاجل
الشرطة ⁧ الأمريكية ⁩ تفرق الاحتجاجات الغاضبة التي اندلعت بعد مقتل رجل من البشرة السمراء على يد أحد أفراد الشرطة
خبر عاجل
أكثر من 286 غارة للعدوان السعودي الأسبوع الماضي على مأرب والجوف وصنعاء وصعدة وحجة والبيضاء والضالع والحدود اليمنية
شريط الأخبار

في رابعته الشعرية.. أحمد نصرة يُفتش عن المعنى في “مجازات الماء”

التصنيفات: ثقافة وفن

“أبحثُ عن صورةٍ لموسيقا
تُشبهني، أجدني أكتبُ
في الماء صورته؛
على هيئة غيابك.”
ستتعدد مجازات الماء في رابعة أحمد نصرة الشعرية، التي تأتي مرةً بلون الغرق، ومرةً بطعم العطش، ومرة ثالثة باشتهاء السباحة.. وأحمد نصرة في سعيه لاصطياد غزلان المعاني، يذهبُ بعيداً في سهول النص الذي يحتفي بالبياض.. ذلك النص الذي أخذ من الأدب وجيزه مُعولاً أكثر على إيحاء المفردة ودلالاتها، والطاقة الكامنة فيها، ومن ثمّ ليقول “بيت القصيد” في دفقةٍ شعرية واحدة؛ وليُنجزُ الشاعرُ أحمد نصرة رابعته الشعرية “مجازات الماء” الصادرة عن دار أرواد، وكان تمّ الاحتفاء بها في حفل توقيع مؤخراً في طرطوس..
“مجازات الماء” التي كان الشاعر نصرة قد درجَ إليها في خطٍّ بياني يسمو كثيراً بالمفردة، ومن ثمّ بالتركيب الذي يُغلفه بمسحة إدهاشٍ يختارها بعناية بستاني كان قد تمرّس طويلاً بإنجازه ثلاثاً سابقاتٍ لها، وهي:(توضأتُ بنبيذ، يُشبهني هذا الموت، وأنعمُ بالموت) في هذا النتاج الشعري الذي اتسمَ بنبرة هادئة كحكم كاهن اعتاد التأمل بعيداً في مناحي الطبيعة، وهنا “يرتكبُ” الشاعرة مفارقته الجميلة، أو قل إحدى المفارقات التي يبني عليها نصه الشعري، إذ أن حجم النص الذي أخذ ثمة النص القصير، والذي يُخيّل أن ثمة وثبة إنفعالية قد تحكمه نظراً لرشاقة قدِّ النص، غير أن الشاعر يذهب به صوب هدوءٍ فلسفي وصوفي بعيد في التقاط حكمته.. كما تبدو المُفارقة أيضاً في غاية خواتيم القصيدة عند صاحب “أنعم بالعمى”، التي تأتي بها كمن يدلق بوجهك دلو ماءٍ بارد. ذلك ما ذهب الشاعر يُرتبه على مدى طاولة البياض، في سرد حكائيةً حزينة غالباً ما يستعذبُ سردها وروايتها في ومضات وغالباً ما تأخذ من قصارى القول سمةً لها، حتى لتبدو في وثبات غزال رغم كل ما توحي به المفردات الحزينة من تأويلات الإيقاع البطيء، وربما يكملُ نصرة هنا لعبته الأثيرة في الاشتغال على المتناقضات لأجل المفارقة الإبداعية التي تهفو نفسه لاستحضارها، وربما هنا أيضاً؛ ثمة تحدٍّ شعري يسعى الشاعرُ لخوضه، بعد أن يكون قد حضرّك، لنوبةٍ إيقاعٍ طويلٍ من التأمل. مع ذلك غالباً ما تشعر بأحمد نصرة كصيادٍ يصيدُ عصافير المفاجأة التي تُحيل القول إلى الشعر العالي.
وفي حفل توقيع المجموعة الأحدث في شغل أحمد نصرة، وأقصد “مجازات الماء”؛ يصف الشاعر مُنذر حسن هذه “المجازاتُ” بأنّ من أوصافها: نصفُ احتمالٍ، ونصفُ غياب، ويُضيف قلتُ: أشاغلُ الأنصافَ، علَّني أصلُ لغةَ الماء.. إنّهُ الكأسُ يتَّسِع إلى مرايا، نوافذَ للقلبِ. لكأنّهُ رسولُ الّلحظةِ الغامض.. جسدٌ وإذا يأتي تقولُ لهُ: تعالَ وحيداً.
“بالكادِ يتّسعُ الفراغُ، لاحتمالِ فراغك”.
القارئُ العاشقُ يبتدئ من خلاياه، من الحياةِ كفعلٍ آتٍ.. هنا يرى الشاعر منذر: إنّ الحياة ستبدو شهيّةً، إذا كانت آتيةً، ستبدو أشهى من كذبةٍ، أصدقَ من موتٍ، وأحلى من صورةٍ مرسومةٍ، على وجهِ ماء.. ستبدو عشقاً، تتَّسِعُ لأجلهِ كلُّ تلكَ الخلايا، ولعلّها ستستعينُ بكونها الحالم.
” ولو أنَّ لي صديقاً، أحكي لهُ كيفَ أحبّكِ،
يطرُقُ مليَّاً، يعانقني، ونجهشُ بالخمرِ..
نحنُ الثلاثة”.
القارئُ العابرُ لمجازات أحمد نصرة ستستوقفهُ مفرداتُ التّعبِ.. لكنّه إذا رافقَ السّهولَ. على دروبِ الماءِ ـ كعابرٍ ـ سيلتقي بجسدٍ تليقُ به الحياة، لن يقولَ وهو يستعيدُ لِحاظاً، لمّا يزل بريقها حاضراً.. كانَ ذلكَ أقلَّ من حلم.. يالتلكَ الذكريات، ليتها ترتقُ الحاضرَ ولو كَذِباً.
” قلتُ للنّهر:
ماذا تفعلُ بجريانك!؟
ـ ألملِمُ ما فاتَ من مياهي
علّكَ تسبحُ فيهِ مرّتين.”
وبرأي منذر حسن؛ يستعيدُ أحمد هنا الرّمادَ يُعشب.. من قالَ إنَّ الرّماد لا يلد.
ثمّةَ قرَّاءٌ سيغريهم الحديثُ عن مجازٍ صوفي.. لا دورَ للنصِّ مع قارئٍ يستعذبُ الحديثَ عن الحبّ مهرّباً، وهو القادمُ لتوّه، من ثقافةٍ هُرِّبت إليه عبرَ المجاز، غيرِ قابلٍ للتّصديقِ لولا ذاك ـ الـ بِنصف عقل، ـ المسمّى مجازاً من وظائفهِ.. أن تكونَ الّلغةُ جسراًـ توريةً، لكونٍ آخرَ لا يمكنُ البوحُ بهِ، أو لا يجوزُ لهُ.. عند الشاعر.. الّلغةُ تتجاوزُ هذا العَرَضَ بقدرِ ما تذوبُ في معناها المُباح، وستبدو حلوةً.. مثلّثةً، وهي تغربُ في مداره.
” وكانَ على زحل أن يحفظَ كنهَ البداية”.
يقولُ أيضاً:
اكتب نصّكَ، وانسَهُ،
ولأنَّ ليسَ ثمّةَ فارقاً
عد واحذفهُ،
فقد تأخّرَ الوقتُ
…تأخّر.
أمّا القارئ..أنا – يردف حسن- فيشيرُ إلى القصيدةِ خادعةً عند صديقه، إذ تَشي بمفرداتِ التّعب، أقلَّ خداعاً إذ تعدُنا بالأمان.. هنا نحنُ من يتحمّل نقيصةَ الخداع، إذ يتخيّلُ جينُ الخيباتِ فينا، أنّنا قد نجونا.. لعلّهُ المزجُ، سيبدو أحمداً عذباً، وكريماً يوزّعُ كؤوسهُ على العاشقين والعابرين والمُتصوّفة، وعلى أمثالي الحائرينَ ما بينَ صرفٍ ومَزج.. وهذا لا يمنع من الإشارة إلى سِمةٍ لا يختلفُ عليها ـ الواردونَ دلاءهم ـ فيما اصطلح بعض النقد عل تسميته بالّلغةِ المكثّفة.. ودونَ أن أتورّط في الثرثرة عن (حداثةٍ) في هذا الزّمن ِ المرهق. أقول: لعلّ الشعرَ فرصتنا النادرة لتجاوز ما أمكن من طغيانِ الوقاحة، والتأسيس لخطواتٍ قادمة، لا يتّسع المقام لها هنا.
الآن.. يؤكد حسن: أنا لا أخوّضُ في مفرداتِ الحداثة، لكنّ الشاعر أحمد نصرة يوجزُ إيجازاً جميلا.. فيكتب:
“الحداثةُ أن تقولَ للقصيدةِ يا حبيبتي،
وتجيبكَ الّلغةُ
يا قاتلي.”
وكتعلقٍ وجيزٍ يختم: ربّما يكونُ العلوُّ في الّلغةِ، السّهوَ عنها.. مُنجزٌ لا يتأتّى إلّا لأولئكَ الممتلئينَ بخياراتهم، بهذا المعنى لن تكون الحداثةُ عقيدةً تتّجهُ إليها الإراداتُ بقدرِ ما هيَ خيارٌ تتّضحُ معالمهُ كلّما تماهى الكاتبُ ـ طاقةُ الكاتبِ ـ مع طاقةِ الكلمة، يتّسعانِ معاً، يضيقانِ معاً، وقد يتّسعُ ضيقُهما لمساحةِ كون.. هذا سيتعدّى التّكثيفَ بالمعنى الأكاديمي، والتّصوّفَ بمعنى توظيفهِ كمعبرٍ، أو كمجازٍ يتّكئُ على الاستعارات، وسيكونُ أدباً يعلو من شرفاتِ قلب.
إنّ كاتباً ضليعاً في الّلغةِ، واسعَ الإطّلاعِ على الثقافات، لن يلجَ هكذا بحرٍ، إن لم يكن عاشقاً.
“بين رائحة القبلة،
وصهيلِ الرغبة،
تركتُ القصيدةَ ترعى،
و.. غفوت.”
طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed